الجمعة، 13 مارس 2026

العالم وكابوس الواحد والعشرين يوما !!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
في أوقات الاستقرار يبدو النظام الاقتصادي العالمي وكأنه آلة دقيقة تعمل بهدوء شديد حيث تتحرك السفن في الممرات البحرية وتنتقل الطاقة عبر خطوط الأنابيب وتصل الشحنات إلى الموانئ وتعمل المصانع وتتحرك الأسواق المالية وفق إيقاع يمكن التنبؤ به نسبيا لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن هذا النظام المتماسك يعتمد في الحقيقة على توازنات هشة للغاية وأن أكثر هذه التوازنات حساسية يتعلق بالطاقة وبشكل خاص النفط
اليوم ينتج العالم ما يقارب مئة مليون برميل من النفط يوميا وهو الرقم الذي يقوم عليه جزء كبير من النشاط الاقتصادي العالمي من النقل إلى الصناعة إلى التجارة الدولية لذلك فإن أي اضطراب كبير في تدفقات النفط لا يبقى مجرد قضية قطاعية بل يتحول بسرعة إلى قضية اقتصادية عالمية
الاقتصاد العالمي يمتلك بالفعل أدوات لامتصاص الصدمات قصيرة الأجل أهمها الاحتياطي الاستراتيجي للنفط الذي تحتفظ به الدول الصناعية الكبرى ففي الولايات المتحدة وحدها يبلغ الاحتياطي الاستراتيجي أكثر من ثلاثمئة وخمسين مليون برميل وفي دول وكالة الطاقة الدولية مجتمعة يقترب المخزون الاستراتيجي والتجاري من عدة مليارات من البراميل وهذه الاحتياطيات صممت أساسا لتمنح الأسواق فسحة زمنية قصيرة عندما يحدث اضطراب مفاجئ في الإمدادات
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود الاحتياطي بل بالمدة التي يستطيع فيها النظام العالمي الاستمرار في الاعتماد عليه قبل أن يبدأ التوازن في الانكسار
هنا يظهر ما يسميه بعض محللي الطاقة بكابوس الواحد والعشرين يوما وهو تعبير غير رسمي يشير إلى المدة التي يمكن أن يتحمل فيها النظام الاقتصادي العالمي اختناقا حادا في الإمدادات النفطية قبل أن تتحول الصدمة من اضطراب مؤقت في الأسعار إلى أزمة هيكلية في الطاقة
السبب بسيط نسبيا فمع استهلاك عالمي يقارب مئة مليون برميل يوميا فإن أي خفض كبير في الإنتاج خصوصا من مناطق رئيسية مثل الخليج العربي يمكن أن يسحب الأسواق بسرعة نحو الاعتماد على الاحتياطي الاستراتيجي ومع مرور الأيام تبدأ الأسواق المالية وشركات الطاقة وشبكات النقل والصناعة في إعادة تسعير المخاطر
التاريخ يقدم لنا أمثلة واضحة على حساسية الأسواق تجاه مثل هذه اللحظات ففي أزمة النفط عام 1973 أدى خفض الإنتاج العربي إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة وفي أزمة 1979 المرتبطة بالثورة الإيرانية قفزت الأسعار مرة أخرى بشكل حاد وفي السنوات الأخيرة شاهد العالم كيف يمكن لأي توتر في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية أن يخلق قفزات فورية في الأسعار
اليوم تشير بعض التقديرات إلى أن أي اضطراب طويل في تدفقات النفط من الخليج يمكن أن يزيل من السوق عدة ملايين من البراميل يوميا وهو ما يعادل نسبة مؤثرة من العرض العالمي وفي هذه الحالة تبدأ الأسواق في التحرك عبر ثلاث مراحل متسارعة
في المرحلة الأولى تمتص الأسواق الصدمة عبر المخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية
في المرحلة الثانية تبدأ الأسعار في الارتفاع الحاد نتيجة توقعات نقص الإمدادات
أما في المرحلة الثالثة فتبدأ التأثيرات الحقيقية في الظهور عبر التضخم وارتفاع تكاليف النقل واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع ثقة الأسواق المالية
ما يجعل لحظة الواحد والعشرين يوما مهمة هو أنها تمثل تقريبا النقطة التي يبدأ عندها السؤال الاقتصادي الحقيقي في الظهور ليس فقط كم ارتفعت الأسعار بل هل يستطيع النظام العالمي الاستمرار في العمل بنفس الكفاءة
في هذه اللحظة يتحول النفط من مجرد سلعة إلى أداة قوة جيوسياسية حيث يصبح التحكم في التدفقات النفطية قادرا على إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية خلال أسابيع قليلة
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه العالم اليوم لا يتعلق فقط بكمية النفط المنتجة بل بالمدة التي يمكن أن يتحمل فيها الاقتصاد العالمي حالة الضغط المستمر
فالأسواق تستطيع تحمل الصدمات القصيرة لكن ما تخشاه حقا هو الزمن
وهنا يصبح السؤال مفتوحا أمام الجميع
هل يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوز ثلاثة أسابيع من اضطراب حاد في الإمدادات النفطية
أم أن لحظة الواحد والعشرين يوما قد تكون النقطة التي يبدأ عندها الكابوس الحقيقي لأسواق الطاقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot