كتبت أ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
في كثير من المواقف اليومية، قد نلاحظ طفلًا يقاطع الحديث، يندفع في اللعب، يرد قبل أن يستمع، أو يتصرف بسرعة دون تقدير للعواقب… ثم بعد لحظات يهدأ ويعتذر بصدق.
هذا النمط لا يدل على سوء نية أو “قلة تربية” كما يُشاع، بل يشير في الغالب إلى ما يُعرف في علم النفس بـ الاندفاعية.
أولًا: ما هي الاندفاعية عند الأطفال؟
الطفل الاندفاعي هو طفل:
يفكر ويتصرف في نفس اللحظة تقريبًا
يستجيب للمثيرات بسرعة دون فلترة
يجد صعوبة في تأجيل الاستجابة أو الانتظار
بمعنى أدق، هناك فجوة بين:
الفكرة التوقف التقييم التنفيذ
بينما الطفل الاندفاعي غالبًا يقفز مباشرة من الفكرة إلى التنفيذ.
وهذا يرتبط بما يُعرف بـ مهارات التنظيم الذاتي (Self-Regulation) التي لا تزال في طور النمو، خاصة في الفص الجبهي من الدماغ المسؤول عن التحكم واتخاذ القرار.
ثانيًا: لماذا يُساء فهم هذا الطفل؟
المشكلة لا تكمن في السلوك فقط، بل في التفسير الخاطئ للسلوك.
كثير من الأطفال الاندفاعيين يكبرون وهم يسمعون:
"أنت مزعج" "أنت مشاغب" "أنت دائمًا كده"
ومع التكرار، تتحول هذه الرسائل إلى:صورة ذاتية سلبية "أنا فعلاً مشكلة"
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي… لأن الطفل لا يعدل سلوكه فقط، بل يُعيد تعريف نفسه.
ثالثًا: ما الذي يحتاجه الطفل الاندفاعي فعلاً؟
قبل أي تعديل سلوك، هناك قاعدة أساسية:
الأمان النفسي يسبق التهذيب السلوكي
فالطفل الذي يشعر بالرفض أو النقد المستمر:
لا يتعلم بفعالية يصبح أكثر اندفاعًا ويفقد ثقته بنفسه
بينما الطفل الذي يشعر بأنه:
مفهوم،مقبول و مدعوم
يصبح أكثر استعدادًا للتعلم والتغيير.
رابعًا: استراتيجيات عملية للتعامل معه
1. تقليل القواعد وزيادة وضوحها
بدلًا من إعطائه قائمة طويلة من التعليمات:
التزم بـ 2–3 قواعد فقط واجعليها واضحة وقابلة للتطبيق
مثال:
ننتظر دورنا في الكلام
نستخدم الإشارة بدل المقاطعة
نطلب المساعدة عند الغضب
القليل الواضح أفضل من الكثير المربك
2. إعطاؤه دورًا محددًا
الطفل الذي لا يجد دورًا… يخترع سلوكًا. لذلك:
اجعله مسؤولًا عن مهمة اشركه في التنظيم أو المساعدة
أعطه إحساسًا بالقيمة هنا تجد المسؤولية تُحوّلت الي طاقة ومن فوضى إلى إنجاز
3. تغيير أسلوب الحوار معه
بدلًا من اللوم:
"لماذا تفعل هذا؟"
"أنت دائمًا تحرجني"
استخدم لغة الوعي:
"أنا لاحظت إنك بتتصرف بسرعة"
"إيه اللي حسّيته وقتها؟"
"إزاي ممكن نعملها بشكل أفضل؟"
الهدف: بناء وعي داخلي… لا فرض سيطرة خارجية
ر: التدريب من خلال اللعب (أداة فعالة جدًا)
🎲 1. لعبة “استنى وفكر”
اطرح سؤالًا
لا يُسمح بالإجابة قبل 5 ثوانٍ
زيدي المدة تدريجيًا
🧠 الهدف: تقوية “عضلة التوقف”
🎭 2. التمثيل (Role Play)
مثّلي موقفًا بثلاث طرق:
اندفاعي
عادي
ذكي
واسأله: أيهم أفضل؟ ولماذا؟
تدريب عملي على الاختيار
. قاعدة “ حلول”
كل مشكلة لها حلول ممكنة
تعلمه أن لديه بدائل… وليس رد فعل واحد
. “زر الإيقاف”
اتفاق بسيط:
لمسة خفيفة على الكتف = “توقف وفكر”
تدخل هادئ دون إحراج
خامساَ: دور النشاط البدني
الطاقة العالية دون توجيه = اندفاع أعلى
الحل: رياضات تعتمد على نظام وقواعد مثل:
الكاراتيه السباحة
هذه الأنشطة تُنمّي الانضباط الداخلي تدريجيًا
سابعًا: جلسة أسبوعية للتفريغ الواعي
خصصي وقتًا هادئًا مرة أسبوعيًا واسأليه:
ما أكثر شيء يضايقك في نفسك؟
متى تشعر أنك تفقد السيطرة؟
ماذا يساعدك على التهدئة؟
عندما يشعر أنه شريك… يبدأ في التغيير
تمرين يومي (5 دقائق فقط)
تمرين “قف – فكّر – اختَر”
احكي له موقفًا بسيطًا
اسأليه:
ماذا ستفعل فورًا؟ (الرد الاندفاعي)
ماذا يمكن أن تفعل بعد التفكير؟
ناقشا الفرق
كرر التمرين يوميًا
خلال أسابيع… سيبدأ في تطبيقه تلقائيًا
الطفل الاندفاعي ليس طفلًا سيئًا… بل طفل:
لم تكتمل لديه بعد مهارات التحكم
يحتاج تدريبًا… لا توبيخًا
يحتاج فهمًا… لا تصنيفًا
وأهم رسالة يجب أن تصله:
“أنت لا تُختزل في تصرفاتك… أنت تتعلم، وأنا معك”
لأن الطريقة التي نراه بها اليوم هي الطريقة التي سيرى بها نفسه غدًا.
الطفل الاندفاعي ليس طفلًا سيئًا… بل طفل:
لم تكتمل لديه بعد مهارات التحكم
يحتاج تدريبًا… لا توبيخًا
يحتاج فهمًا… لا تصنيفًا
وأهم رسالة يجب أن تصله:
“أنت لا تُختزل في تصرفاتك… أنت تتعلم، وأنا معك”
لأن الطريقة التي نراه بها اليوم…
هي الطريقة التي سيرى بها نفسه غدًا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق