الجمعة، 20 مارس 2026

هل فقد الإنسان قدرته على الملل؟

كان الملل يومًا ما جزءًا طبيعيًا من الحياة. لحظات فراغ طويلة، لا شيء يحدث فيها، ولا ما يشغل العقل سوى أفكاره. لكن اليوم، يبدو أن هذه الحالة اختفت تقريبًا. فبمجرد أن نشعر بلحظة صمت، نمد أيدينا إلى الهاتف، نفتح تطبيقًا، نمرر الشاشة… وينتهي الملل قبل أن يبدأ.
السؤال هنا ليس بسيطًا: هل اختفى الملل فعلًا؟ أم أننا لم نعد نسمح له بالحدوث؟
في الحقيقة، نحن نعيش في عصر يقاوم الملل بكل وسيلة ممكنة. التكنولوجيا وفّرت لنا تدفقًا مستمرًا من المحتوى: فيديوهات قصيرة، أخبار متجددة، رسائل لا تنتهي. لم يعد هناك فراغ حقيقي، بل امتلاء دائم، حتى لو كان سطحيًا.
هذا التوفر المستمر جعلنا أقل قدرة على تحمّل اللحظات البطيئة. أي تأخير بسيط، أي انتظار، أي لحظة صمت… تصبح مزعجة. وكأن العقل اعتاد على التحفيز الدائم، فلم يعد يقبل بالهدوء.
لكن المفارقة أن الملل لم يكن عدوًا كما نتصور، بل كان له دور مهم. في لحظات الملل، يبدأ العقل في التجول بحرية، تظهر أفكار جديدة، تنشأ الإبداعات، ونفهم أنفسنا بشكل أعمق. الملل كان مساحة للتفكير… لا فراغًا بلا قيمة.
عندما نلغي هذه المساحة، نفقد شيئًا مهمًا دون أن نشعر. نصبح دائمًا مشغولين، لكن ليس بالضرورة منتجين أو مبدعين. نملأ الوقت، لكن لا نمنحه فرصة ليكشف لنا شيئًا جديدًا.
كما أن غياب الملل قد يكون مرتبطًا بظاهرة أوسع: الخوف من المواجهة مع الذات. فالصمت والفراغ يفتحان الباب لأفكار قد لا نرغب في مواجهتها، لذلك نهرب منها بالانشغال المستمر.
في النهاية، ربما لم يفقد الإنسان قدرته على الملل، لكنه فقد تحمّله له.
وفي عالم يحاول القضاء على كل لحظة فراغ، قد تكون القدرة على الشعور بالملل… واستقباله… هي بداية استعادة شيء أعمق: القدرة على التفكير، والإبداع، وفهم الذات.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot