الجمعة، 20 مارس 2026

هل نحن نعيش حياتنا… أم نراقبها فقط؟

في زمنٍ أصبحت فيه كل لحظة قابلة للتوثيق، وكل تجربة قابلة للنشر، بدأ يتسلل سؤال غير مريح: هل نعيش حياتنا فعلًا… أم نكتفي بمشاهدتها من الخارج؟
لم يعد الإنسان يمر بالتجربة كما هي، بل كثيرًا ما يمر بها وهو يفكر كيف سيصورها، أو كيف سيحكيها، أو كيف ستبدو للآخرين. الرحلة لم تعد مجرد رحلة، واللحظة لم تعد مجرد لحظة، بل أصبحت “محتوى محتملًا”.
وهنا يحدث التحول الخفي: بدل أن نكون داخل التجربة، نصبح على حافتها. نراقبها، نقيّمها، ونفكر في صورتها… أكثر مما نعيشها.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في هذا التغيير. فهي لا تكتفي بعرض الحياة، بل تعيد تشكيلها. تجعلنا نقارن، نختار ما نظهره، ونحذف ما لا يناسب الصورة. ومع الوقت، قد نبدأ في عيش لحظاتنا بما يتوافق مع “كيف ستُرى”، لا مع “كيف تُعاش”.
لكن المشكلة أعمق من مجرد تصوير أو نشر. إنها تتعلق بالانتباه.
عندما ينقسم انتباهنا بين اللحظة نفسها وبين التفكير فيها، نفقد جزءًا من التجربة. لا نعيشها كاملة، بل بنصف حضور.
المفارقة أن الإنسان قد يملك مئات الصور والذكريات الموثقة، لكنه لا يشعر بعمقها. لأن التجربة الحقيقية لا تُقاس بعدد ما نحتفظ به منها، بل بمدى حضورنا فيها.
هذا لا يعني أن التوثيق خطأ، بل أن الإفراط فيه قد يحوّل الحياة إلى عرض مستمر. عرض نؤديه… ونشاهده في نفس الوقت.
في النهاية، السؤال ليس إن كنا نستخدم الكاميرا أو لا، بل:
هل نحن داخل اللحظة… أم خارجها؟
لأن الحياة لا تُعاش في الصورة، بل في الإحساس.
وما لا نعيشه بوعي كامل… قد لا نعيشه أصلًا.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot