في الحياة الواسع، حيث تتعاقب الأدوار وتتشابك الخيوط، نقف جميعاً على خشبة البحث عن رفيق درب، عن كتف نرتاح عليه، عن روح تؤنس وحشة الطريق. نحن نبحث عن الأمانة في ثوبها الأبيض الناصع، عن الصدق في أبسط تجلياته. لكن الرياح أحياناً لا تأتي بما تشتهي السفن، فتظهر أمامنا شخصيات تتقن فن التغليف، تتقن صنع شرنقة من الحرير حول خداعها، فلا نرى سوى البريق الخارجي، غافلين عن الفراغ أو الخراب الذي يختبئ في القلب.
إنه "الغش المغلف"، ذلك الوهم الجميل، تلك القناع الذي يُلبس للحقيقة، ليبدو القبح وكأنه جمال، وتُباع لنا الأحقاد في قوارير العسل.
هذا النوع من الخداع لا يأتي أبداً بوجه مكشوف، لا يدق بابنا بخشونة الكذابين المبتدئين. إنه فارس يمتطي صهوة بلاغة، يقرع باب القلب بأرق العبارات وأعذب الكلمات. يختبئ تحت عباءة الاهتمام الزائد، فيفيض علينا بأسئلة لا تنتهي عن أحوالنا وأحلامنا، ليس لأنه يهتم، بل لأنه يجمع خيوط اللعبة. هو نغم معسول تارة، ونشيد حزين تارة أخرى، يبحث عن الوتر الحساس في قيثارة روحنا ليضرب عليه. يعد بسماء صافية، بينما هو يجمع الغيوم ليطلقها عاصفة في وقت لا ننتظر فيه المطر.
ولكن، كما أن لكل جوهرة علامات تميزها، ولكل توقيع أصلي تفاصيل لا يمكن تزويرها، فإن لهذا النوع من الخداع علامات يمكن لمن تبصر أن يلتقطها. العلامة الأولى تكمن في التناقض بين القول والفعل، بين تغريدات الحب الجميلة وصمت الأفعال الجافية. إنه مثل شجرة عيد الميلاد، تزدان بالأضواء والزينة، لكن جذورها ضاربة في هواء لا تربة فيه. هو إعلان مبهر عن منتج لا يملكه.
العلامة الثانية هي سرعة التصديق والهجوم المعاكس. حين تلمح بضع قطرات من الشك، يتحول هذا الملاك الهادئ إلى وحش مدافع. لا يشرح، بل يهاجم، يحول نفسه من متهم إلى مدعٍ عام، ومن قضية خيانة إلى اتهامك أنت بسوء الظن وقساوة القلب. "كيف تشك فيّ وأنا الذي أفنيت عمري من أجلك؟" هكذا يخنق صوت الحق بضوضاء البراءة المزعومة.
فكيف لنا أن ننجو من شراك هذا المخمل المسموم؟
النجاة لا تبدأ بمواجهة الآخر، بل بالرجوع إلى الذات. إنها رحلة استكشاف داخلية، علينا فيها أن نحدد بوصلتنا الأخلاقية بأنفسنا، لا أن ننتظر من الآخرين أن يكونوا هم البوصلة. النجاة هي أن نتعلم كيف نستمتع بوردة دون أن ننسى أن لها شوكاً، أن نصدق العطاء لكن بعيون مفتوحة لا بعيون مغلقة. النجاة هي الصبر، ذلك الصبر الذي لا يعني الانتظار الخامل، بل التمحيص والتدقيق. إنه مثلما نفعل مع قطرة عسل صافية، نضعها في كوب ماء ونراقب: هل ستذوب وتُحلي الماء، أم ستتكتل في القاع لتكشف عن شوائبها؟
النجاة الحقيقية هي أن ندرك أن أثمن ما نملك ليس ما نقدمه للآخرين، بل هو سلامتنا الداخلية، نقائنا الذي يجب ألا نفرط فيه لأحد. أن نستبدل خوفنا من الخسارة بحبنا لذواتنا. عندما يصبح شعارنا "أنا أستحق الأمانة كما أستحق الهواء"، وعندما ندرك أن من يخدعنا لا يسرق من وقتنا فقط، بل يحاول أن يسرق من إنسانيتنا، هنا نبدأ في وضع الحدود.
وعندما ينجلي غبار اللحظة، وتتبدد ضبابية المشاعر، ستظهر الحقيقة عارية كالشمس في كبد السماء. حينها سنكتشف أن كل تلك العبارات الرنانة لم تكن سوى صدى لفراغ، وكل ذلك التغليف المخملي لم يكن سوى كفن لحقيقة ميتة. عندها، سنشكر الله أننا لم ندفن أحياء تحت أنقاض وهم جميل. سنقف على أرض صلبة من الوعي، نادرك أن خسارة شخص لا يستحق، هي في الحقيقة أكبر مكسب يمكن أن تحققه الروح لنفسها.
بقلم دكتور شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتطوير دولي معتمد ولايف كوتش معتمد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق