مرّت الشهور و السنوات...
لم تعد الحياة في "نيويورك" غريبة، ولا الشتاء قاسيًا كما كان في أول عام.
اعتادت القلوب على الإيقاع الجديد، وتعلمت الأرواح أن تحيا رغم الحنين المتجدد كلما مرّ اسم "مصر" في الأخبار، أو لمحت "أنعام" في عيني أولادها شيئًا من لهجة الجدة "ذكية" وقتها ترقرق الدموع في عين "أنعام" ولم تتمالك نفسها اشتياقاً لأمها، أو ظلًّ من شجرة التوت في بيتهم القديم.
سنتان مرّتا كأنهما قطار طويل من الأيام، محمّلٌ بالعمل والجد و الكفاح والدراسة والتعود والحنين للوطن و أيضاً الجدة ذكيه.
دخلت "سحر" الجامعة، وكانت تدرس علم النفس والمحاسبة معًا، كما أراد لها قلبها وعقلها أن يتعلّما جنبًا إلى جنب.
في صباحها، تخرج بكتاب في يد، وسماعة موسيقى في الأخرى، تتأمل الوجوه والطرقات، وتُعيد ترتيب العالم في ذاكرتها كلّ يوم.
قالت لها "آمال" يومًا وهي تعدّ فطورهم البسيط في الصباح:
ــ يعني علم نفس ومحاسبة.....؟ هتفاهمينا ولا تحاسبينا......؟
ضحكت "سحر" وهي ترتدي معطفها للذهاب إلى الجامعة:
ــ يعني أقرأ أفكاركم قبل ما تطلبوا المصروف...!
فضحك الجميع، حتى "أنعام" علّقت:
ــ لكن المهم تكملي دراستك يا ابنتي، التعليم هنا هو السلاح الوحيد وسط الزحمة مع اكتساب اللغة وإتقانها جيداً.
أما "آمال"، فقد كانت لا تزال تعمل مع والدتها "أنعام" في الفندق، يدًا بيد، سيدة مطبخ، وسيدة تنظيم، لم تكن تملك الشهادة الجامعية، لكن الحياة علمتها ما لم تعلّمه الجامعة وأيضا أتقنت اللغة الإنجليزية جيداً.
و"محمد"، صار له عملاً ثابتًا في المطبعة الصغيرة التي يمتلكها صديق والده، يتفنن في طباعة البوسترات والبروشورات، ويعود دائمًا بحبر في يده وابتسامة على وجهه.
أما "أحمد"، فكان ذراع أبيه اليمنى في الورشة، تعلّم الصنعة بسرعة، وتدرّب على أمانة اليد وصدق الكلمة منذ الصغر.
كان "رفاعي" فخورًا به، يترك له أحيانًا إدارة الورشة، ويقف من بعيد يراقبه، ليعلمه الثبات والثقة في النفس والإعتماد على الذات بمفرده ،ثم يهمس لنفسه:
ــ ابن الأصيلة... رفع رأسي في الدنيا.
و"محمود"، دخل مرحلة الثانوية، صار فتىً قويًّا، تتشكل عليه ملامح الرجوله ، ولم يكن بأفكار الطفولة كما كان ، ولكنه لازال محتفظ بخفة دمه مع الجميع،و يحفظ دروسه، ويحلم أن يكون "صاحب منصب كبيرًا" كما قال ذات مرّة.
أما عن التجمعات، فقد صار بيت "عزيز" أو بيت "إبراهيم" محطّة دائمة في أيام العطلة، وأيضاً بيت رفاعي.!
وزادت الزيارات مع أولاده "أنعام"، "محمد"، "أحمد"، "آمال"، "سحر"، و"محمود"، وبدا يزورونهم كل أسبوع، يتسامرون، يتناولون الطعام سويًا، ويتبادلون القصص، كأنما يزرعون وطنًا صغيرًا داخل أرضٍ غريبة.
كان "سعيد"، ابن "إبراهيم"، قد صار شابًا أكثر نضجًا، أقل تهوّرًا، يحترم "آمال"، يتحدث معها أحيانًا في الأمور العامة، لكنها كانت دائمًا تضع مسافة واضحة، لا جفاء فيها، لكنها تحمل وضوحًا لا يحتاج إلى تأويل من الخجل التي تربت عليه.
ذات مساء، قال "عزيز" وهو يصبّ الشاي:
ــ اللمة دي نعمة... ربنا ما يفرقنا أبدا.
ردّ "رفاعي" وهو يغمز له:
ــ نعمة غالية... لكن بدون وجود الست "أنعام" وتعبها، لما اجتمعت القلوب هكذا.
"أنعام" ضحكت خجلاً، ومسحت على رأس "محمود" وهو يجلس بجوارها:
ــ هو تعب، بس والله يستحق... ما دام أولادي حواليَّ وزوجي معي .
كانت الطمأنينة تسري في البيت كأنها موسيقى خافتة...
لا ضجيج، لا أحداث ضخمة، فقط حياة هادئة تنسج نفسها بخيوط من حبّ وصبر وأمل.
وفي قلب كل فرد منهم، ظلّ سؤال صغير لا يُقال:
هل هذه هي النهاية السعيدة.....؟
أم أن الزمن يحمل في جعبته فصولًا أخرى لم تُكتب بعد...؟ بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق