في غرف مغلقة تضاء فقط بشاشات الحواسيب، يعيش جيل كامل حياة موازية بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية. لم يعد مفهوم "الراحة" مدرجاً في قاموس الشاب المعاصر، الذي يهرع من مكتبه صباحاً ليتحول إلى "فريلانسر" أو مسوق إلكتروني أو صانع محتوى ليلاً. إنها ظاهرة "العمل الجانبي" أو الـ Side Hustle، التي بدأت كطموح لتحسين الدخل، وتحولت مع الوقت إلى سباق محموم لا يعرف خط النهاية، فهل نحن بصدد جيل من المبدعين العصاميين، أم أننا أمام "آلات بشرية" بدأت تفقد صلتها بالواقع؟
إن الضغط الاقتصادي العالمي جعل من الوظيفة الواحدة "خياراً غير كافٍ" للبقاء، لكن الخطورة تكمن في "تمجيد الانشغال" الذي تروج له وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تصوير الإرهاق كدليل على النجاح، والهالات السوداء تحت العين كأوسمة شرف. هذا "التريند" خلق ضغطاً نفسياً هائلاً، جعل الشخص الذي يقرر قضاء وقت فراغه في "اللاشيء" يشعر بجلد الذات والتقصير تجاه مستقبله، وكأن كل دقيقة لا تدر ربحاً هي دقيقة ضائعة من العمر.
الأرقام تشير إلى تصاعد مخيف في حالات "الاحتراق الوظيفي" بين الشباب في العشرينات والثلاثينات، حيث تلاشت الحدود تماماً بين المساحة الشخصية ومساحة العمل. أصبح "السرير" مكاناً للرد على إيميلات العملاء، و"المقهى" مقراً للاجتماعات الافتراضية، ووسط هذا الضجيج الرقمي، فقدت العلاقات الاجتماعية بريقها، وتحول الأصدقاء إلى "شبكة علاقات مصالح" (Networking). نحن أمام مقايضة خطيرة، حيث نبيع صحتنا النفسية وساعات نومنا مقابل أرقام في حسابات بنكية، تلتهمها الالتزامات قبل أن نستمتع بها.
إن النجاة من فخ "جيل الـ 24 ساعة" لا تعني التخلي عن الطموح، بل تعني إعادة تعريف النجاح بعيداً عن صخب الإنتاجية المفرطة. إن استعادة حقنا في "الراحة" دون الشعور بالذنب هي الخطوة الأولى لحماية إنسانيتنا من التحول إلى مجرد "تروس" في ماكينة اقتصادية لا تشبع. النجاح الحقيقي ليس في عدد ساعات العمل التي تقضيها خلف الشاشة، بل في قدرتك على إغلاق تلك الشاشة والعيش في عالم حقيقي، حيث لا توجد إشعارات، ولا مواعيد تسليم، ولا سباق مع الزمن.
خلود محمد احمد محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق