مرت السنوات كالنهر...
هادئة حينًا، ومحمّلة بالمفاجآت حينًا آخر.
استقر بيت "رفاعي أبو بكر" بعد العاصفة.
"محمد" و"أحمد" يواصلان رحلتهما في سوق التجارة بثبات.
"آمال" أصبحت أكثر نضجًا، و سندًا لأمها.
أما "سحر"، فقد انتقلت إلى الصف الثاني الإعدادي، تحمل في عينيها وميض الحلم، وفي قلبها نبض الحنين القديم.
كان مساءً دافئًا، الأسرة تجمّعت كعادتها، رائحة العدس الساخن تملأ المطبخ، و"أنعام" توزع الأرغفة على أولادها برضا، حين دخل "رفاعي" والهدوء يكسو وجهه.
جلس على الأريكة بجوار المروحة، تنهد طويلًا... ثم قال:
– "تلقيت اتصال منذ قليل مِن خارج البلاد ."
نظرت إليه "أنعام" بدهشة:
– "مٓن يا "رفاعي المتصل.......؟"
فرد رفاعي :
– "مِن أخي "عزيز... " يا "أنعام" هو المتصل.
هتف "محمد":
– "عمي "عزيز ......؟
الذي يعيش في "أمريكا.....؟
فرد رفاعي على "محمد" وقال له :
– "نعم...يا "محمد "لكن مكالمته هذه المرة كانت غريبة."
تبادل الجميع النظرات، وكأنهم ينتظرون ما بعد الصمت.
أكمل "رفاعي"، ناظرًا في الأرض:
– "قالّ لي أريدك أن تأتي إلى أمريكا لديك هنا فرصة عمل مضمون، و بمرتب كتير ومجزي... وقال إن هذه الفرصة لن تتكرر مرة أخرى يا "رفاعي."
ساد الصمت لوهلة، لم يُقاطعه أحد.
ثم قالت "أنعام" بصوت منخفض:
– "لكن... أنت وعدتنا يا "رفاعي".
عندما عدتُ مِن النار التي كنت فيها ونجوت منها... وعدتني إننا لم نتفارق مرة أخرى."
تنهد "رفاعي"، وصوته حمل مزيجًا مِن التردد و الحنين:
– "تعلمين يا "أنعام... و أعلم أنا وعدتك بذلك.
لكن هذه لما فرصة العمر و أريد أن أؤمن مستقبل أولادنا... لابد مِن أن نعيد التفكير في حياتنا."
قالت "آمال" بهدوء:
– "نحن سعيدين بوجودك معنا يا بابا... و أنت أمامنا كل يوم، و هذا أهم مِن أي راحة أخرى في هذه الحياة."
تدخل "محمد":
– "السفر "لأمريكا" ليس سهلاً... ولا مضمون.
وهنا نحن أصبحنا رجال مثل ما علمتنا أمي .
لا نحتاج منك غير وجودك."
أما "سحر"، فكانت تحدق في وجه أبيها... عيناها مملوءتان بمزيج مِن الخوف والرجاء:
– "بابا... إذا سافرت، سنعود ثانية ننتظرك مِن جديد كل يوم....؟
مثل ما كنا نفعل في الماضي ....؟"
أقترب "رفاعي" منها، جلس على ركبتيه أمامها، وأمسك بيدها الصغيرة:
– "أنا لا أستطيع الإبتعاد عنكم بإرادتي يا "سحر... لكن الراجل لديه مسؤولية تجاه أولاده وأسرته لكي يرقى بهم وبمستقبلهم ".
"أنعام" وضعت يدها على كتفه، وقالت بصوتٍ فيه حزم وودّ:
– "خذ وقتك في التفكير يا "رفاعي... لكني أرى إننا أصبحنا بلداً لبعض.
حتى إن كانت "أمريكا" هي مِن فتحت لك ذراعيها، لكن حضن مثل حضن أولادك بالدنيا وما فيها ، ولن تجد قلب مثل قلوبنا."
صمت الجميع، لا اعتراض ولا ضغط، فقط مشاعر حقيقية... تدور في صمتٍ مُربك، وصراع داخلي في قلب "رفاعي" لا يُرى.
رفع "رفاعي" رأسه ونظر إليهم واحدًا واحدًا:
– " الذي تعلمته مِن حريق الباخرة... إن العمر لحظة، والحنين لا يتعالج بالغربة... دعوني أفكر في الآمر، وأستخير قلبي... وقلوبكم".
وأومأ الجميع برؤوسهم في صمت... فالقرار لم يكن قرار سفر، بل قرار قلب. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق