الأحد، 22 فبراير 2026

من يدفع ثمن الإصلاح الاقتصادي فعليًا؟

حين تُعلن الحكومات عن برامج الإصلاح الاقتصادي، يُقدَّم الأمر دائمًا باعتباره ضرورة لا مفر منها، وخيارًا صعبًا لتفادي ما هو أسوأ. غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بوضوح هو: من يتحمّل ثمن هذا الإصلاح؟
هل تتحمله الدولة؟ أم يشاركها فيه القطاع الخاص؟ أم يقع العبء كاملًا على كاهل المواطن؟
الواقع يقول إن الإجابة ليست متوازنة كما يُفترض.
المواطن الحلقة الأضعف
في معظم تجارب الإصلاح الاقتصادي، يكون المواطن هو أول من يشعر بالاثار، وآخر من يجني الثمار.
ترفع أسعار الخدمات، تتراجع قيمة الدخول الحقيقية، تقلّ مظلة الدعم، وتزداد الضرائب غير المباشرة. كل ذلك يحدث بسرعة، بينما يُطلب من المواطن الصبر بوصفه مساهمة وطنية مؤقتة، تتحول غالبًا إلى عبء دائم.
المفارقة أن المواطن لا يملك أدوات التحايل أو التعويض؛ راتبه ثابت، وخياراته محدودة، وقدرته على نقل التكلفة إلى غيره شبه معدومة.

على مستوى الخطاب، تتحمل الدولة مسؤولية الإصلاح، لكنها في الواقع غالبًا ما تختار الطريق الأقل كلفة سياسيًا، والأعلى كلفة اجتماعيًا.
يُعاد ترتيب الدعم بدلًا من إعادة هيكلة الإنفاق، وتُحمَّل الأسر عبء ارتفاع الأسعار، بينما تظل بنود كثيرة في الموازنة خارج النقاش العام. التقشف الحقيقي داخل أجهزة الدولة يظل محدودًا، وغير مرئي للمواطن، ما يخلق شعورًا بعدم العدالة في توزيع الأعباء.
الإصلاح هنا يصبح إدارة أزمة، لا تغييرًا جذريًا في نمط الإدارة الاقتصادية.

يُفترض أن يكون القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في تحمل أعباء الإصلاح، عبر الاستثمار، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج. لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
في كثير من الأحيان، يستفيد القطاع الخاص من تحرير الأسعار، وتقليص الدعم، وفتح الأسواق، بينما لا يُطلب منه التزام واضح بتحمل تكلفة اجتماعية مقابلة. ترتفع هوامش الربح في بعض القطاعات، في حين تظل الأجور ضعيفة، والحماية الاجتماعية للعاملين محدودة.
وبدلاً من أن يكون القطاع الخاص محركًا للنمو العادل، يتحول أحيانًا إلى مستفيد صامت من قرارات الإصلاح.

المشكلة الحقيقية ليست في الإصلاح ذاته، بل في توزيع التضحية.
حين يُطلب من المواطن التحمل دون أفق زمني واضح، ومن الدولة التعديل دون مراجعة شاملة، ومن القطاع الخاص الاستفادة دون التزام اجتماعي، يصبح الإصلاح اقتصاديًا منقوصًا، وسياسيًا هشًا.
فالإصلاح الذي لا يُشعِر الأغلبية بالعدالة، يتحول من حل إلى مصدر توتر دائم.

ينجح الإصلاح الاقتصادي فقط عندما:
-تتحمل الدولة نصيبًا واضحًا وشفافًا من التقشف
-يُلزم القطاع الخاص بدور اجتماعي متوازن
-يشعر المواطن أن تضحياته مؤقتة ومفهومة ومُقدَّرة
غير ذلك، سيظل الإصلاح كلمة كبيرة يدفع ثمنها طرف واحد، بينما تُوزَّع عوائده على آخرين.         بقلم الدكتورة...نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot