لم تكن الدراما يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت – ولا تزال – أداة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة النماذج الذهنية، وإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض داخل المجتمع. غير أن المتأمل في مسار الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، يلحظ بوضوح تحوّلًا مقلقًا في طبيعة الرسائل المطروحة، حيث تصاعدت مشاهد العنف والجريمة، وتكرّست صورة “البطل الخارج عن القانون” بوصفه نموذجًا للنجاح والقوة والهيمنة.
من الحكاية إلى التطبيع
الخطر الحقيقي لا يكمن في عرض الجريمة ذاتها، وإنما في تطبيعها. حين تُقدَّم السرقة، والبلطجة، وتجارة المخدرات في سياق بطولي، وحين يُصوَّر العنف كوسيلة مشروعة لاسترداد الحقوق أو فرض السيطرة، فإن الرسالة التي تصل – خاصة إلى الفئات العمرية الصغيرة – هي أن القوة لا تُكتسب بالقيم، بل بالبطش.
من منظور علم النفس الاجتماعي، فإن التكرار البصري والسردي لمشاهد العنف يُضعف الحساسية الأخلاقية تجاهه، ويُحوّل الجريمة من فعل مُدان إلى “خيار محتمل” في مواجهة الإحباط والفشل.
الشاشة والواقع… علاقة تأثير لا انعكاس
يذهب البعض إلى أن الدراما “تعكس الواقع” ولا تصنعه، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة علمية ثابتة:
الإنسان يتعلّم بالسلوك المُشاهَد.
ومع غياب نماذج إيجابية جاذبة، وتراجع صورة القدوة القائمة على العمل الشريف والاجتهاد، يصبح البطل العنيف – رغم فساده – أكثر تأثيرًا من المواطن الصالح الذي يُقدَّم في صورة ضعيفة أو هامشية.
وقد أشارت دراسات نفسية متعددة إلى وجود علاقة بين التعرض المكثف لمحتوى عنيف، وارتفاع معدلات السلوك العدواني، خاصة لدى المراهقين والشباب الذين يعانون أصلًا من ضغوط اقتصادية واجتماعية.
مسؤولية الدراما… لا وصاية ولا فوضى
المطالبة بدراما مسؤولة لا تعني فرض وصاية فكرية أو مصادرة للإبداع، بل تعني إعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية.
فالإبداع الحقيقي لا يقوم على تمجيد القبح، بل على كشفه دون تحويله إلى قدوة.
وهنا يبرز الدور المحوري للجهات المنظمة، مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في وضع معايير مهنية واضحة، لا تُقيد الفن، بل تحمي المجتمع من الانزلاق نحو تسليع العنف وتحويله إلى مادة استهلاكية.
نحو دراما تُنقذ الوعي
المجتمع الذي تُقدَّم له الجريمة باعتبارها طريقًا مختصرًا للنجاح، هو مجتمع مهدد بتآكل منظومته القيمية.
والدراما التي لا تنتبه لأثرها النفسي والتربوي، قد تُسهم – دون قصد – في رفع منسوب الغضب، وتغذية النزعات العدوانية، وتبرير العنف بوصفه رد فعل “مفهومًا”.
إننا لا نحتاج إلى دراما سلبية ، بل إلى دراما واعية، تُدرك أن ما يُعرض على الشاشة اليوم، قد يتحول إلى سلوك في الشارع غدًا. بقلم المؤلف والسيناريست... وليدعبدالنبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق