في ليلة شتوية خانقة، إجتمع البيت كله حول جوابٍ أصفر مهترئ الحواف، وكأنه يحمل في طياته عبء سنين لا رسالة أيام.
جواب الإستدعاء العسكري الذي تسلمه "محمد"، الإبن الأكبر "لرفاعي"، وصل بعد طول غياب.
قرأته "أنعام" مرتين بعد أن أخذته مِن ابنها ثم ناولته لابنها مرة أخرى دون أن تنطق بكلمة.
نظر "محمد" فيه كأنه يقرأ حكماً لا رسالة، وعيناه تسافر بعيداً عن السطور، نحو أفقٍ لم يعد يعرف لها ملامح.
همست "سحر":
"ستذهب خلال أسبوع.....؟"
أومأ "محمد" بصمت، ثم خرج إلى الشرفة، يحمل إستغراب عمره كلّه.
في الداخل، ظل الصمت سيد الموقف، حتى قالت "أنعام"، محاولة كسر ذلك الخوف الثقيل:
"كله بأمرـ الله تعالى- "محمد" راجل وبيتحمل المسؤولية.
و"رفاعي" عندما يعرف بالأمر سوف يفتخر به."
لم تكد تنهي جملتها حتى دوى رنين الهاتف، رنينه هذه المرة لم يكن مثل كل مرة.
كان رنين شوق، أو ربما رنين قدر.
أمسكت "أنعام" بسماعة الهاتف لتجنب عليه، وإذا بصوتٍ حبيبٍ غاب عنها ما يكفي لتشتاق حتى لصمته، لا لصوته فقط.
كان "رفاعي".
قال بصوته المرهف الدافئ:
"أنعام...
"أنعام" يا حبيبتي... طمنيني عليكِ و على الأولاد.....؟"
أجهشت بالبكاء، ثم تماسكت:
"نحن بخير... بخير يا "رفاعي" لكن... "محمد" أستلم جواب الجيش..."
صمت "رفاعي" لثوانٍ، كأن صدمة الجواب عبرت المحيط وأصابت قلبه، ثم تنفس وقال:
"ربنا معه يا "أنعام"، هو راجل... وأنا معه حتى وأنا هنا في "نيويورك".
أسمعيني جيداً... أنا أستلمت العمل اليوم في مصنع ملابس مع "عزيز" أخي .
"العمل هنا ليس سهل، لكن الحمد لله... الحمد لله يا "أنعام"... فيه أمل." على قدر التعب أجد المقابل المادي والمعنوي".
كان صوت "رفاعي" يحمل خليطاً مِن التعب والفخر، كأنه رجلٌ يقف في وجه العاصفة ليمنح أولاده خيمة مِن الدفء.
قال "رفاعي" :
"أنا مِن أول الشهر سوف أرسل لكم كل الذي تِحتاجينه.. وأحاول أتحدث مع أخي للبحث عن طريقة نتجمع فيها سوياً هنا، لكن أحتاج أن أستقر سنة... سنة واحدة، وبعدها تأتي أنتِ والأولاد ونعيش سويًا... مثل ما حلمنا."
صمتت "أنعام"، ثم قالت بصوت مبلل بالدموع:
"نحن ننتظرك يا "رفاعي... و"سحر" كل يوم بتسأل عليك، و"محمود" بيمسك صورتك ويقول لك تعال... يا بابا وحشتني".
"ضحك "رفاعي" ضحكة مشروخة بالشوق:
"قولي "لسحر" أن تقُف عن العِناد، وتسمع كلامك... و"محمود" يا رب يكبر ويكون راجل مثل "محمد" و"أحمد" ويحمل عنكِ.
أنا هنا مٌن أجلكم... مِن أجل تحسين المعيشة كل لحظة أحلم بمستقبل مشرق لكم جميعاً ."
وأنا أغلب عمري بالغربة بعيد عنكم لكن ليس بإراداتي يا "أنعام" .
إنتهت المكالمة، وظل في البيت شيء مختلف،
شيء كأنفاس دافئة تسللت مِن بين السطور،
كأن البيت الذي نام خائفًا، أستيقظ على وعد.
"محمد" عاد مِن الشرفة، نظر إلى أمه، ثم إلى إخوته،
ثم قال بهدوء:
"سوف أجهز شنطتي باكراً... لكن لم أذهب للجيش خائف.
سأدخل الجيش بصوت أبي محمد راجل وصبر أمي ودعائها لي."
في تلك الليلة،
نام الجميع، وفي قلب كل منهم شيءٌ يشبه الأمل، وشيء آخر يشبه الإنتظار. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق