في صباح باهتٍ مِن شتاءٍ لم يعرف إلا الريح، وقف "محمد" أمام باب البيت مرتدياً بدلته العسكرية، النظرة في عينيه لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة رجلٍ يسلم نفسه لقدرٍ أكبر مِن طاقته، لكنه لا يهرب منه.
"أنعام" وقفت تحدق فيه وكأنها تحفظ ملامحه، كأن الوداع فيه إحتمال الغياب الأبدي.
أقتربت منه، رتبت ياقة بدلته، ثم قالت بصوتٍ مكسور لكنه ثابت:
"ربنا يردك لينا بالسلامة يا ولدي... نحن في ظهرك بدعاء قلوبنا لك."
أومأ "محمد"، ثم مال وقبّل يد أمه، ونظر إلى إخوته جميعًا، ثم إلى "أحمد...
توقف عنده، وكأنه يراه للمرة الأولى لا كأخ، بل كامتداد له.
قال له بنبرة أخوية حازمة:
"البيت عليك يا "أحمد... تحمل مسؤولية "آمال" و"سحر" و"محمود"، زي ما أنا كنت أحملهم مثل أبي... بل و أكتر."
أبتسم "أحمد" إبتسامة هادئة:
"أنا قدها يا "محمد...لا تقلق وسوف أذهب إلى العمل بعد مغادرتك على الفور." لا تحمل هماً يا أخي الحبيب، ركز أنت في شؤونك و أعتني بنفسك لأننا جميعاً نحبك يا "محمد".
صافحه "محمد"، واحتضنه، ثم خرج...
خرج وهو يجر معه ذاكرة الطفولة، ويترك خلفه مسؤولية الشباب.
منذ ذلك اليوم، تغيّر وجه "أحمد".
كان يخرج مبكرًا للعمل في محل التجارة حيث يعمل مساعدًا لصاحب المحل الذي يبيع الملابس المستوردة في السوق الحر به بمدينة "بور سعيد" الباسلة، ثم يعود ليشتري طلبات البيت، ويحاول أن يحل مكان "محمد" دون أن يظهر له العبء، كأنه يقنع نفسه أن هذه المهمة ليست حملًا بل شرفاً ووسام على صدره.
في إحدى الليالي، جلس مع أمه "أنعام" بعد أن نام "محمود"، وكانت "سحر" تذاكر دروسها في صمت.
سألته أمه:
"تعبت يا أحمد.....؟"
رد وهو يخلع حذاءه المترب:
"لم أتعب يا أمي على قدر إحساسي أنني أفعل شيئاً مهماً... احس أنني رجلاً بجد."
نظرت إليه "أنعام" مليًا، رأته أكبر مِن عمره، وأنضج مِن رفاقه.
قالت له بهدوء:
"البيت يحتاجك يا ولدي، وأنا كلي فخر بك... ربنا يقدرك يا ابني على هذا الحمل الثقيل."
"أحمد" لم يجب، فقط أومأ، وأبتسم إبتسامة صغيرة كمن يعرف أن الطريق أمامه طويل، لكنه قرر أن يسير فيه، مهما كانت العواصف.
كان القدر قد وضعه في موقف لم يطلبه، لكنه قبِله.
وكان قلبه، رغم صغره، مستعدًا أن يكون سندًا لأسرته.
وما بين لحظة وأخرى، كانت نظرات "سحر" له تتغير،
تراه الآن بعيون مختلفة... لا كأخ يلعب معها، بل كدرع يحميها.
وحده "أحمد" في تلك الليالي،
كان يحدث نفسه سرًا:
ماذا لو "محمد" يدافع عن البلد، وأنا هنا أدافع عن البيت... وهذا يعد جهاد أيضاً." و لكل منا دوره مِن الداخل أو بالخارج .
وما بين صمت الجدران، ونظرات "أنعام"، بدأ "أحمد" يتشكل...
رجلاً يُخلق مِن رحم المسؤولية،
وكأن القدر يقول له:
"دورك جاء يا "أحمد"...
فهل ستنجح.....؟ بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق