لم تعد الجريمة اليوم حدثًا معزولًا ينتهي بمجرد وقوعه، بل أصبحت تبدأ أحيانًا بعد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي. فخلال دقائق قليلة تتحول الواقعة إلى آلاف المنشورات وملايين المشاهدات، ويتحول الجاني من شخص مجهول إلى اسم متداول يبحث عنه الجميع. هذا الانتشار السريع لا ينقل الخبر فقط، بل يصنع حالة من الاعتياد على مشاهد العنف، وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية.
ومع تطور السوشيال ميديا، لم يعد الهدف عند البعض مجرد مشاهدة الأحداث، بل تحقيق الشهرة بأي وسيلة. فهناك من يرى أن الظهور والترند يمكن أن يتحقق حتى من خلال السلوك العنيف أو الصادم، خاصة في ظل اهتمام الجمهور بالتفاصيل المثيرة أكثر من الاهتمام بالأسباب أو النتائج.
ولا يمكن تجاهل دور بعض الأعمال الدرامية والتلفزيونية التي تقدم أحيانًا شخصية المجرم في صورة البطل القوي أو الشخص الذي يفرض سيطرته بالعنف. ورغم أن الدراما تهدف إلى الترفيه أو نقل الواقع، إلا أن التكرار المستمر لمشاهد العنف قد يؤثر على فئة من الشباب والمراهقين الذين ما زالت شخصياتهم في مرحلة التكوين، فيختلط لديهم الحد الفاصل بين الخيال والواقع.
كما أن عرض الجرائم بشكل تفصيلي ومبالغ فيه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يتحول الخبر من وسيلة للتحذير إلى دليل غير مباشر لتقليد الفعل نفسه. فكلما زادت التفاصيل، زادت احتمالية التأثر، خاصة في ظل غياب التوعية الكافية داخل الأسرة والمدرسة.
وفي النهاية، لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، فالإعلام والسوشيال ميديا والدراما أدوات مؤثرة، لكنها تبقى وسائل تحتاج إلى وعي في الاستخدام. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى نقل الخبر، بل إلى تقديم محتوى يوضح العواقب الحقيقية للعنف ويعزز قيم الرحمة والمسؤولية.
فالسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس لماذا نسمع عن الجرائم أكثر، بل كيف نمنع أن تتحول مشاهدة الجريمة إلى أمر عادي في أعين الأجيال القادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق