مرّ شهر ثقيل، امتلأت أيامه بالكفاح والصبر والمشقة.
كانت "أنعام" تتنقل كظلٍ بين مهام البيت، و"سحر" تُكثر الأسئلة، و"أحمد" يحاول أن يكون سندًا صغيرًا رغم عمره الصغير، و"آمال... ما زالت تخبّئ قلقها في صمت طويل.
ومساء أحد الأيام، خيم على البيت صمت غريب، كأن الزمن يتربص بلحظة ما.
دق الباب ثلاث دقات متتالية.
قام "أحمد" بتثاقل مِن أمام التلفاز عندما كان يشاهده لحين تجهيز الغداء، وفتح الباب.
وإذا به يقف مشدوهاً، تتسع عيناه دهشة وفرحًا:
ــ "محمـــــد....!"
كان "محمد" واقفًا أمامه، بوجهه الذي لوحته الشمس، وبإبتسامته التي تعبّر عن كل ما لم يُقَل.
فتح "أحمد" ذراعيه، واحتضنه بعناق الرجال الذين كبروا قبل أوانهم.
ثم نادت "أنعام" مِن الداخل:
ــ "مٓن الطارق يا "أحمد...؟"
لكنها لم تنتظر الرد، فقد سمعته... ذلك الصوت الذي لن تخطئه أبدًا، صوت حذاء "محمد" وهو يخطو أولى خطواته في البيت.
أسرعت كأنها تهرول إلى الحياة مِن جديد، واحتضنته بقوة، وبكت... لم يكن بكاء حزن، بل بكاء أمٍّ مرّ بها العمر وأخيرًا وجدته مجددًا بين يديها.
جاءت "سحر" تركض كغيمة صغيرة تتبع المطر، وتعلقت برقبته:
ــ "وحشتني يا "محمد... أنت كبرت أكتر مِن الصورة التي في خيالي...!"
ضحك وهو يضمها:
ــ "وأنتِ طولتِ يا "سحر... بقى عندك رأي وشخصية قوية....!"
وفي ركن مِن الغرفة، أستيقظ "محمود" على الأصوات، وصرخ بفرح:
ــ "محمد....!
"محمد" عاد...!"
وأندفع نحوه، فتلقاه "محمد" على كتفيه كأنه يرفعه فوق كل تعب الطريق.
أما "آمال"، فخرجت مِن المطبخ تفرك عينيها مِن تقطيع البصل، وهي لا تصدق المشهد، حتى رآها "محمد" وفتح ذراعيه:
ــ "تعالي في حضني يا "آمال"، أنا جيت هنا."
كان اللقاء شبيهًا بعودة العافية للجسد، أو عودة القلب بعد غياب طويل.
بعد أن غسل "محمد" تعب الطريق، وأخرج غبار السفر مِن جسده تحت رشاش الماء، عاد إلى المائدة.
أحضرت "أنعام" الطعام وهي تقول لبناتها:
ــ "سحر، و"آمال... أحضروا الطعام بسرعة، أخيكم ضعيف لابد مِن الإهتمام بها وتغذيته."
جلس الجميع حول السفرة.
كان "محمد" يملأ المكان بحضوره.
قال "أحمد" وهو يمرر له طبقًا:
ــ "أخيرًا عدتُ يا رجل... البيت كان بنقصنا وجودك بيننا."
أجاب "محمد":
ــ "وأنا كان ينقصني رائحة البيت... لم أجد مثل هذا الإحتواء والله مِن دونكم."
قالت "سحر" وهي تُخرج الصورة مِن درج الدولاب وتلوّح بها:
ــ "أنظر يا "محمد"، عم "عزيز" أرسل صورته، وكتب جواب لي بخط يده...!"
أخذ "محمد" الصورة، تأملها طويلًا، ثم قال وهو يبتسم:
ــ "هو مثلما تخيلته... بكل ملامحه فيها حنية بلدنا، رغم سنين الغربة."
أنا رأيت صورته منذ زمن مع أبي فى محفظته مِن قبل.
ضحكت "سحر":
ــ "أنا أحببته مِن الصورة، وأتخيله معانا كل يوم."
سكت "محمد" قليلًا ثم قال وهو ينظر في وجه أمه:
ــ "ربنا يجمعنا به وبأبي قريب يا أمي... ونراه أمام أعينينا ليس فقط في الصور."
أنتهت الليلة بجلسة قصيرة على السطح مع شرب الشاي وبعض التسالي و الحكايات مثل الماضي ، ثم انسحب كلٌّ إلى فراشه، كأن الليل أرخى ستاره ليُريح القلوب.
في صباح اليوم التالي، كان "محمد" أول مِن أستيقظ.
توضأ، ثم دخل المطبخ، فوجد "أنعام" و"آمال" يُحضّران الإفطار.
أبتسم وقال وهو يفتح الثلاجة:
ــ "إنتم تجهزون الفول بالزيت...؟
الدنيا لم تتغير هنا أبداً."
ردّت "آمال" ضاحكة:
ــ "التغيير فيك أنت لكن... نحن مثل ما نحن بكل تفاصيلنا."
وفي الغرفة المجاورة، كانت "سحر" تُجهّز حقيبتها، وتربط ضفيرتيها أمام المرآة وهي تغني همسًا أغنية (شدي الضفائر يا أما).
وكان"محمود" يبحث عن شرابه الضائع.
و"أحمد" واقف على باب المطبخ، ينتظر الشاي، وعلى وجهه نصف إبتسامة ونصف نعاس، بسبب سهرة الآمس وأنه لم يعتاد على ذلك مِن زمن بسبب عمله ، ولأن "محمد" كان يفتقده كثيراً.
قال "محمد" وهو يجلس بينهم:
ــ "وحشتني هذه الزحمة بينكم... والدفء هذا... حتى وأنتم تجهزون للخروج في كل صباح، في محبة وتعاون ."
نظرت إليه "أنعام" وقالت بهدوء:
ــ "لأنك قطعة مننا يا "محمد... وكل واحد منكم له قطعة في قلبي."
وكان الصباح مليئًا بالحب... والتفاصيل الصغيرة. بقلم. عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق