الخميس، 5 فبراير 2026

في زمن عدم اليقين تبحث الدول عن التمركز لا عن التحالف !!!!!

بقلم: ماهر حسن مفتاح 
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد 
ما نشهده اليوم في الإقليم ليس حركة دبلوماسية عادية ولا إعادة دفء في علاقات ثنائية بقدر ما هو انعكاس مباشر لحالة عالمية أعمق يسودها عدم اليقين السياسي والاقتصادي. جولة الرئيس التركي في كل من السعودية ومصر لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق العالمي المضطرب حيث لم تعد القرارات الكبرى تُبنى على افتراضات مستقرة أو قواعد طويلة الأمد بل على محاولة فهم ما تغيّر وكيف يمكن التكيّف معه بأقل قدر من الخسائر .

العالم يعيش مرحلة فقدان البوصلة التقليدية. النظام الاقتصادي الذي كان يُدار خلف واجهة سياسية بات اليوم مكشوفًا. القرارات الاقتصادية أصبحت مباشرة وصفقية وأقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى التخطيط بعيد المدى. في مثل هذه البيئات لا تبحث الدول عن توسع نفوذ ولا عن صراعات جديدة بل عن نقاط ارتكاز. عن تكتلات مرنة تسمح بتقليل المخاطر ومشاركة عبء عدم اليقين بدل مواجهته منفردة .
من هنا تأتي أهمية المشهد الإقليمي الحالي. عندما تجلس تركيا مع السعودية ومصر على طاولة واحدة ويتصدر الحديث ملف الشركات والاستثمارات والتكامل الاقتصادي وليس الخطاب الأيديولوجي فإن الرسالة واضحة. الاقتصاد هنا ليس هدفًا في حد ذاته بل أداة لإعادة التموضع في عالم لم تعد فيه القواعد القديمة صالحة. الحديث عن التمركز يعني الاعتراف بأن المرحلة القادمة ليست مرحلة نمو تقليدي بل مرحلة صمود ذكي وإدارة مخاطر .
الدول في هذه اللحظة لا تبني تحالفات على أساس من يقف ضد من بل على أساس من يستطيع الصمود مع من. من يفهم التحولات في أسواق الطاقة ورأس المال وسلاسل الإمداد ومن يمتلك مرونة سياسية تسمح له بتعديل مساره دون كسر داخلي. هذا ما يفسر انتقال الحوار من الشعارات إلى الأرقام ومن البيانات السياسية إلى خرائط الاستثمار .
المنطقة العربية ليست خارج هذا المشهد بل في قلبه. الاعتماد طويل الأمد على استقرار خارجي أو على نظام عالمي واحد لم يعد خيارًا آمنًا. ما نراه هو محاولة واعية لإعادة تعريف الدور الإقليمي ليس كمتلقٍ للصدمات بل كمشارك في صياغة توازنات جديدة قادرة على امتصاصها. التكتل هنا ليس اصطفافًا بل شبكة أمان .
في عالم تسوده الضبابية لا تنتصر الدول الأكثر صخبًا بل الأكثر هدوءًا في القراءة والأسرع في التكيّف . والاقتصاد في هذه المرحلة لا يقاس بمعدلات النمو فقط بل بقدرته على امتصاص الصدمات وإعادة التموضع دون فقدان التوازن الداخلي .
ما يحدث اليوم ليس إعادة رسم للخريطة السياسية بقدر ما هو إعادة توزيع للأوزان داخلها. ومن يفهم هذا مبكرًا لا ينجو فقط بل يكتسب موقعًا متقدمًا عندما تبدأ الصورة في الوضوح من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot