د.سوهير الطويل
من أخطر المفاهيم التي تسللت إلى وعينا الديني،
أن نخلط بين الالتزام والصلابة،
وبين كثرة العبادة وقسوة القلب.
فنرى من يُكثر الصلاة،
ويُحسن المظهر،
ويُجيد لغة الوعظ،
ثم لا يترك فيمن حوله إلا أثر التعب، والخوف، والانكسار.
وكأن العبادة أصبحت درعًا يُبرر الجفاء،
أو شهادة حسن سلوك تُسقط عن صاحبها واجب الرحمة.
والحق أن العبادة التي لا تُلين القلب،
ولا تُهذّب الطبع،
ولا تزيد صاحبها قربًا من الناس…
عبادة لم تكتمل روحها بعد.
لقد جاء الدين ليُصلح الإنسان من الداخل،لا ليمنحه سلطة أخلاقية على غيره.
وجاء ليُخفف عن النفوس،
لا ليُحمّلها فوق ما تحتمل.
وكان رسول الله ﷺ – وهو أعبد الناس –
ألينهم قلبًا، وأرحمهم بالضعفاء،
وأقربهم إلى الناس بلا تكلف ولا تعالٍ.
فكيف نفهم العبادة على نحوٍ يناقض سيرته، ونجعلها مبررًا للغلظة، أو وسيلة للشعور بالتفوق الأخلاقي؟
القلب القاسي لا يُصلحه كثرة العمل وحدها، بل يحتاج إلى فهم،
وإلى وعي بأن العبادة ليست سباقًا، ولا أداة للضغط،
ولا ميزانًا نحاكم به الآخرين.
في رمضان تحديدًا،
تظهر هذه القسوة أحيانًا في أدق التفاصيل:
في كلمة قاسية داخل البيت،
في تعنيفٍ باسم التربية،
في إهمال مشاعر بحجة الانشغال بالطاعة.
وننسى أن الله لا يُعبد بإيذاء خلقه، ولا يُتقرب إليه بكسر النفوس.
العبادة الحقّة تترك أثرًا واضحًا:
سكينة في الحديث،
وتواضعًا في السلوك،
ورحمة تمتد إلى أقرب الناس قبل أبعدهم.
وإن لم تُثمر العبادة قلبًا ألين،
فالمشكلة ليست في الناس،
بل في الفهم.
اللهم اجعل عبادتنا حياةً لقلوبنا،
ولا تجعلها قسوة على من حولنا،
وارزقنا فهمًا يُقربنا إليك بالرحمة قبل العمل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق