الاثنين، 23 فبراير 2026

ما بعد الوداع

لم يكن البيت كما كان.
خفتت الأصوات، وتراجعت الضحكات، حتى ضوء الشمس بدا باهتًا وكأن رحيل "رفاعي" سحب شيئًا مِن الحياة.

في الصباح، جلست "أنعام" على طاولة المطبخ، أمامها كوب شاي لم ترتشف منه شيئًا. 

بل كانت عيناها معلقتين بكرسي "رفاعي" الفارغ.
مرت "آمال"، وضعت يدها على كتف أمها بلطف:
– انهضي يا ماما، لابد أن نثبت لبعض إننا قادرين... بابا "رفاعي" هكذا.

جاء "محمد" يرتدي بدلته بسرعة، وهو يقول:
– سأذهب للعمل، و لم  اتأخر عليكم اليوم... لكن "أحمد" مٓن يوصل سحر إلي المدرسة اليوم.

رد "أحمد" مِن بعيد وهو يلبس حذاءه:
– حاضر يا "محمد"، لا تقلق.

"محمود" مر وهو يحمل حقيبته، ونظر لأمه وهمس:
– بابا سوف يتصل اليوم، صحيح يا ماما.....؟
– أكيد يا حبيبي...مِن الممكن أن يتصل اليوم.

خرجت "سحر" تمسك حقيبتها بيد، ويد "أحمد" بالأخرى.
كان الشارع كما هو، لكن كل شيء داخليًا تغير.

في الطريق إلى المدرسة، سألها "أحمد":
– طمنيني عليكي يا سحور.....؟
أجابت بصوت خافت:
– الحمدالله... لكن قلبي ليس بخير.
– بابا سافر مِن أجلنا... ومِن أجلك أنتِ أيضاً.
هزت رأسها وهي تمسح دمعتها:
– أنا أدرك هذا... لكن كنت أتمنى أن أبي هو مِن يوصلني إلى المدرسة مثل كل يوم.

دخلت الفصل بخطى بطيئة، وعيون زميلاتها كانت تلاحقها.
– سحر، باباكِ سافر....؟
– آه...
– وإنتي زعلانة.....؟
–نعم حزينة جداً لفراق بابا...
أقتربت منها صديقتها "شهد"، أمسكت بيدها وقالت:
– نحن معك... بابا سوف يعود بالسلامة.

في الحصة، كانت المعلمة تشرح، بينما "سحر" تنظر مِن النافذة…
الساحة، الأشجار، الأطفال يركضون… كل شيء يتحرك، لكن عقلها مع أبيها.
فنادت المعلمة على "سحر.....؟
رفعت "سحر" رأسها فجأة.
– نعم يا أستاذة.....؟
– فيما تسرحين يا حبيبتي.....؟
– آسفة...
أقتربت المعلمة، وخفضت صوتها:
– عارفة إني سمعت عن سفر بابا...لكنه سوف يعود ، وسيظل معكِ في قلبك فلا تحزني.

أومأت "سحر"، وابتسمت المعلمة برقة.

"عادت "سحر" مِن المدرسة، دخلت البيت مسرعة، ورمت حقيبتها، وسألت:
– بابا اتصل يا ماما....؟
– فأجابت "أنعام" لم يتصل يا "سحر... لكنه سوف يتحدث اليوم إن شاء الله".

مرّ اليوم بثقل، حتى جاء المغرب، ورن الهاتف الأرضي.

قامت "أنعام" مسرعة، رفعت السماعة، وإذا بصوت "رفاعي" يأتي مِن بعيد، متقطعًا لكنه واضح:
– الوووو يا "أنعام...
– "رفاعي"! وصلت.....؟
– الحمد لله، أنا عند أخي "عزيز" ونحن بخير... الدنيا هنا برد، لكن أموري تمام.

– كنا ننتظر مكالمتك بقلق... "سحر" كانت سرحانة طول اليوم تفكر فيك.
– آتي بهم جميعاً… 

إجتمع الجميع حول السماعة...
"محمد":
– "بابا!"
– يا حبيبي... أجمد يا "محمد"، إنت سند البيت.
"أحمد":
– كيف أحوالك يا بابا.....؟
– بخير... أنت احتوي أخواتك دائمًا وكن بجانبهم.
"محمود":
– بابا! اشتقتُ لك.
– وأنا أيضاً يا بطل.
ثم جاء صوت "سحر"، مترددًا...
– "بابا....؟
– "سحور... طمنيني عليكِ يا نور عيني....؟
– اشتقتُ لكِ جدااااا...
– وأنا أيضاً يا ابنتي... كل يوم أتذكرك أمام عيني، لكن أوعديني أنكِ تكتبين لى  كل شيء.
– حاضر يا بابا سأفعل.
– صلي، وادعيلي، أنتِ شجاعة يا "سحر......

أغلق الخط، وعمّ الصمت للحظة.
ثم قالت "أنعام":
– يجب أن تكونوا أقوياء... لابد أن نكون عائلة واحدة قوية و متماسكة.

ضحك "محمود" وقال:
– هيا نأكل مع بعض، بابا أكيد كان هيحب هذا الاقتراح.

ضحكوا جميعاً... رغم الغياب، كان صوت "رفاعي" قد أعاد دفء البيت.
الحب لا يُهاجر... بل يبقى في الأصوات، في النظرات، في لحظة الانتظار.                                     بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot