بقلم: أحمد المهدي صفوت
لم تكن الكلمة الأولى في الإسلام سيفًا يُشهر، ولا مالًا يُجمع، ولا سلطانًا يُفرض.
كانت كلمة واحدة فقط: «اقرأ».
في غار حراء، وفي لحظة فارقة بين ظلام الجهل ونور الوعي، نزل الأمر الإلهي الأول على رسول الله ﷺ:
> ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
>
لم يكن الخطاب موجهًا إلى النبي وحده، بل إلى أمة، وإلى تاريخ، وإلى مستقبل.
فالقراءة لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل تكليفًا إلهيًا ومشروع نهضة متكامل.
اقرأ… غذاء العقل والروح
القراءة ليست حروفًا تُنطق، بل وعيًا يُصاغ، وبصيرةً تُفتح، وعقلًا يُبنى.
بها يسمو الإنسان، وتستقيم العبادة، ويصبح الإيمان وعيًا لا طقسًا، وفهمًا لا تقليدًا.
لم يبدأ الوحي بالصلاة أو الصيام، بل بالقراءة، لأن العبادة بلا علم تتحول إلى عادة، والدين بلا وعي يُختطف بسهولة.
كيف تركت أمة «اقرأ» القراءة؟
السؤال الجارح:
كيف خالفنا أول أمر إلهي؟ ولماذا لم يعد أحد يقرأ؟
تركنا القراءة حين:
* استبدلنا الكتاب بالعناوين، والمعرفة بالمنشورات السريعة.
* ظننا أن الرأي يساوي العلم، وأن الصوت العالي يغني عن الفهم.
* قبلنا التلقّي ورفضنا السؤال، وخفنا من التفكير.
فصرنا نناقش بلا اطلاع، ونحكم بلا معرفة، ونتكلم في كل شيء وكأن الجهل وجهة نظر.
حين يغيب الوعي… تحضر السياسة
القراءة ليست شأنًا فرديًا فقط، بل قضية سياسية وفكرية.
فالسلطة – أي سلطة – لا تخاف من الجائع، بل من الواعي، ولا ترتعب من الفقير، بل ممن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ولصالح من؟
حين يتوقف المجتمع عن القراءة:
* تُمرر القرارات دون مساءلة.
* تُختصر القضايا الكبرى في شعارات.
* يتحول المواطن من شريك في الوطن إلى تابع.
وهكذا يصبح الجهل أداة إدارة لا مجرد حالة عابرة.
الجهل المُدار في واقعنا
في واقعنا العربي، لم يعد غياب القراءة مصادفة:
* تعليم يكدّس المعلومات ولا يصنع عقلًا ناقدًا.
* إعلام يكرر ولا يشرح.
* خطاب عام يرفع الصوت بدل أن يرفع الوعي.
يعرف الناس الأخبار، لكنهم لا يفهمون سياقها. يحفظون الشعارات، لكنهم لا يملكون أدوات التحليل. وهنا تتجلى خطورة ترك «اقرأ».
حين لا نقرأ… يُكتب عنا
من لا يقرأ، يسهل قياده. ومن لا يعرف تاريخه، يُزوَّر وعيه. ومن لا يفهم واقعه، يُسلَب مستقبله.
كم قرار مرّ لأن الناس لم تقرأ؟ كم حق ضاع لأن صاحبه لم يفهم؟ كم فتنة اشتعلت لأن العقل غاب وحضر الانفعال؟
اقرأ… فعل إيمان ومقاومة
القراءة اليوم ليست هواية، بل فعل إيمان ومقاومة.
مقاومة للتزييف، وللتطرف، وللاستبداد، ولتحويل الإنسان إلى رقم.
حين تقرأ:
* لا تُخدع بسهولة.
* لا تُستَخدم دون وعي.
* لا تُقاد بعاطفة مُصنّعة.
العودة إلى الكلمة الأولى
نحن لا نحتاج معجزة جديدة، بل نحتاج أن نعود إلى البداية.. إلى الكلمة التي بها بدأ كل شيء: «اقرأ».
اقرأ لتفهم دينك بوعي لا بتلقين. اقرأ لتفهم وطنك بعقل لا بشعارات. اقرأ لأن الله بدأ بها، ولأن الأمم لا تنهض إلا بها.
«اقرأ» لم تكن موعظة… كانت تحذيرًا.
تحذيرًا من يوم يُدار فيه الجهل، ويُصادر فيه العقل، ويُكتب فيه المستقبل بأقلام غيرنا.
اقرأ… قبل أن تُسأل: لماذا صمتَّ حين كان يجب أن تفهم؟ 📖✊
هل ترغب في أن أقترح عليك تنسيقاً معيناً لصور مرافقة للمقال عند نشره؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق