بقلم: أحمد المهدي صفوت
على مر العصور، ظل الشرق الإسلامي، بقلبه النابض في مكة والقدس والقاهرة وبغداد، مطمعاً للقوى الغربية التي اختلفت مسمياتها واتحدت غاياتها. وحين نتأمل التاريخ، نجد خيطاً ناظماً يربط بين "حملات الصليب" في العصور الوسطى، و"الحملات الأمريكية" في العصر الحديث، وكأن المشهد يعيد صياغة نفسه تحت مسميات براقة تخفي خلفها أطماعاً لا تتغير.
أولاً: في حضرة الأرقام والأزمان
انطلقت شرارة حروب "القبر المقدس" في أواخر القرن الحادي عشر، واستمرت قرابة مائتي عام، تمثلت في ثماني حملات عسكرية كبرى، استنزفت دماء الملايين وحاولت اقتلاع الهوية الإسلامية من الشام ومصر. أما في العصر الحديث، فقد استبدل الغرب "الخوذة الحديدية" بـ "الترسانة التكنولوجية"، لتبدأ سلسلة من التدخلات الأمريكية التي لا تتخذ شكل موجات متقطعة، بل وجود عسكري دائم وقواعد ممتدة، تجلت ذروتها في غزو أفغانستان 2001 وغزو العراق 2003، وما تلاها من تدخلات في ليبيا وسوريا واليمن.
ثانياً: صراع الشعارات (الدين في مواجهة القيم)
لطالما احتاج الغزو إلى "غطاء أخلاقي" يبرر الدماء أمام الشعوب الغربية:
في الحروب الصليبية: كان الشعار "إنقاذ القبر المقدس" وتأمين طرق الحجاج المسيحيين. دُفع بآلاف الفقراء والفرسان تحت راية الصليب بوعود الغفران والجنة، بينما كان القادة يبحثون عن إقطاعيات وأملاك في الشرق الغني.
في الحروب الأمريكية: سقط شعار الدين وحل محله شعار "نشر الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"مكافحة الإرهاب". استُخدمت هذه المصطلحات كحصان طروادة لاختراق سيادة الدول الإسلامية وتغيير أنظمتها، في حين أن المحرك الحقيقي كان تأمين تدفق النفط وضمان الهيمنة السياسية.
ثالثاً: الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية
لم تكن القدس يوماً هي الغاية القصوى في حسابات ملوك أوروبا، كما لم تكن "بغداد" هي المبتغى في حسابات واشنطن؛ بل كانت السيطرة على طرق التجارة العالمية هي الهدف المشترك.
الموارد: سعى الصليبيون للسيطرة على طرق التوابل والحرير، بينما تسعى الحملات الأمريكية للسيطرة على "عصب الحياة" المعاصر؛ الطاقة والغاز والنفط.
تفتيت القوة: كان الهدف الصليبي هو فصل مصر عن الشام عبر إمارات لاتينية عازلة. واليوم، نجد السياسة الأمريكية تتبنى بوضوح استراتيجية إضعاف الجيوش العربية الكبرى وضمان تفوق الكيان الصهيوني، لضمان بقاء المنطقة في حالة تبعية وضعف دائم.
رابعاً: النتائج والآثار على العالم الإسلامي
حصدت كلتا الموجتين نتائج كارثية على الجسد الإسلامي:
بشرياً: سقط مئات الآلاف من الضحايا في مجازر وحشية، من مذبحة المسجد الأقصى عام 1099م إلى دمار المدن العراقية والسورية في القرن الحادي والعشرين.
مادياً: دُمِّرت البنية التحتية، ونُهبت الثروات، وحُلَّت الجيوش، مما فتح الباب أمام الفوضى وظهور جماعات العنف والتطرف التي وجدت في "الغزو الأجنبي" بيئة خصبة للنمو.
سياسياً: أدت الحروب الصليبية في النهاية إلى توحد المسلمين تحت قيادات قوية مثل صلاح الدين والمماليك. واليوم، يظل التحدي قائماً أمام الشعوب الإسلامية لاستعادة سيادتها وقرارها المستقل بعيداً عن الوصاية الأمريكية.
إن التاريخ يخبرنا أن "حروب القبر المقدس" قد انتهت برحيل آخر جندي صليبي من عكا، وأن "حروب الديمقراطية" الزائفة لن تحصد سوى الرماد، فإرادة الشعوب في الحفاظ على هويتها وأرضها هي الثابت الوحيد في معادلة الصراع بين الشرق والغرب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق