الجمعة، 20 فبراير 2026

رمضان وإعادة ترتيب أولويات الحياة

بقلم/ د.لينا أحمد دبة 
يمرّ العام سريعًا، فننشغل بالسعي، والركض، والقلق على تفاصيل لا تنتهي. تتكدّس المسؤوليات، وتتزاحم الالتزامات، حتى ننسى أحيانًا لماذا بدأنا الطريق أصلًا. ثم يأتي رمضان… كمساحة توقف ضرورية، كإشارة هادئة تقول لنا: أعد النظر.
رمضان لا يغيّر ظروفنا فجأة، لكنه يغيّر إيقاعنا. يقلّ الطعام، يهدأ الجسد، وتعلو الروح. ومع هذا التغيير البسيط في النظام اليومي، يبدأ سؤال عميق في الداخل: ما الذي يستحق فعلًا كل هذا القلق؟ وما الذي أهملناه وهو أولى بالاهتمام؟
في هذا الشهر نكتشف أن الوقت الذي كنا نظنه ضيقًا، يتسع حين نمنحه معنى. دقائق الدعاء تصبح أثمن من ساعات التصفح، وجلسة عائلية صادقة أعمق من انشغال طويل بلا روح. نعيد ترتيب يومنا حول الصلاة لا حول الهاتف، حول القيم لا حول الضغوط.
إعادة ترتيب الأولويات لا تعني أن نترك أعمالنا أو مسؤولياتنا، بل أن نضعها في مكانها الصحيح. أن ندرك أن صحتنا النفسية أولوية، وأن علاقتنا بالله أساس، وأن الأسرة ليست واجبًا إضافيًا بل نعمة تحتاج رعاية. أن نفهم أن الإنجاز الحقيقي ليس في كثرة ما نفعل، بل في صدق ما نفعل.
رمضان يذكّرنا بأننا لسنا آلات إنتاج، بل أرواح تحتاج تغذية. وأن النجاح لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بالسكينة. وأن بعض الأشياء التي أخذت منّا طاقة كبيرة، قد لا تكون بالحجم الذي أعطيناه لها.
ربما تكون إعادة الترتيب في قرار بسيط: أن نغفر، أن نهدأ، أن نعتذر، أن نقلل من المقارنات، أن نمنح أنفسنا وقتًا للراحة. ربما تكون في مراجعة علاقات تستنزفنا، أو في الاقتراب أكثر من قيم العدالة والرحمة التي نؤمن بها.
رمضان فرصة لنضع الله أولًا، ثم نرتب ما بعده بوعي. فرصة لنقول لأنفسنا: ما يستحق البقاء سنحافظ عليه، وما يرهق أرواحنا سنعيد التفكير فيه.
فحين تنتظم الأولويات في الداخل، يهدأ الخارج ولو لم يتغير كثيرًا.
وهكذا، لا يكون رمضان مجرد شهر عابر… بل نقطة إعادة توجيه للحياة كلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot