كانت "سحر" ما تزال صغيرة في أولى خطواتها نحو التعليم حين وطئت قدماها أرض المدرسة الإبتدائية في القرية.
حملت معها حقيبة بلاستيكية خفيفة ملأتها أمها بكراسٍ جديدة وأقلام مُبَراة بعناية، وكأنها تُهيّئها لحلمٍ كبير.
كانت "سحر" تمشي صباحًا وهي تجرّ قدميها الصغيرة فوق التراب، وتنظر للأشجار العالية ولسقف المدرسة الذي بدا لها كقصر كبير مِن طين.
لكنها لم تكن تعلم أن ذاك المكان الذي دُفعت إليه تحت اسم "التعليم" سيكون أول أبواب الألم الحقيقي لها.
في فصلٍ مكتظ بأكثر مِن خمسين تلميذًا، كانت المعلمة حميدة تقف كالصنم في مقدمة الصف بعينين نصف مغمضتين، وصوتٍ حاد كالسياط.
كانت تقف بعصا طويلة بين يديها تهزّها في الهواء كلما ارتفعت الهمسات لإسكات الطلاب وخفض الضوضاء.
"سحر" بصغر سنها، لم تكن تعرف بعد كيف تُرضي هذه المعلمة، ولم تكن تدرك سبب النفور الذي تراه في عينيها كلما نظرت إليها.
كانت تعاقبها على كل شيء، إن نسيت أن تكتب واجبها، إن نظرت في وجهها، أو حتى إن جلست دون انتباه.
مع كل تصرف بريء مِن "سحر" كان الغلّ يتراكم في صدر المعلمة "حميدة".
وذات مرة، كان أحد المعلمين الكبار يمر بجوار الفصل فلاحظ كيف تصرخ "حميدة" على "سحر" وحدها.
أقترب وقال لها بهدوء:
ــ "هذه طفلة صغيرة من حقها أن تتعلم مثل غيرها أنتِ تعامليها بقسوة دون غيرها مِن الطلاب..؟"
لم يكن الكلام سوى وقودٍ جديد يشعل نيران الحقد.
ومنذ تلك اللحظة، وضعت المعلمة "حميدة"اسم "سحر "في رأسها كما يضع الصياد فريسته في بؤرة عينه.
صارت تبحث عن أي سبب لتُعاقبها.
جعلت مِن اسمها مادة للتوبيخ، وأخذت تتجاهل مشاركتها، بل وتسخر منها أحيانًا أمام زميلاتها.
كانت "سحر" تحاول أن تفهم، أن ترضي، أن تبتسم، لكن الألم ظلّ يتسلل لروحها الصغيرة.
وفي صباحٍ مشؤوم، تأخرت "سحر" عن الحصة خمس دقائق، بعد أن انقطع شريط حقيبتها في الطريق.
دخلت الفصل مجهده، وعلى جبينها عرق خفيف.
لم تنتظر "حميدة" أي تبرير.
أمسكت بالعصا، وقبل أن تنطق "سحر" نزلت الضربات على رأسها الصغيرة.
ضربات لم تكن مجرد ألم جسدي، بل كانت طعنات في كرامة الطفولة والحق في التعليم.
ضربتها فوق الرأس بقوة، وبقسوة حتى جلست "سحر" على الأرض تبكي بشدة.
دموعها لم تكن دموع تصنع أو ضعف، بل كانت دموع صمتٍ طُعن ألف مرة ولم يجد من يسمعه بداخلها.
حيث تسبب لها بورمٌ أخذ يعلو في جبينها، وخدوش حمراء ظهرت تحت الشعر.
انتشرت الهمهمة في الفصل، وانطلق أحد التلاميذ إلى مدير المدرسة.
دخل المدير مسرعًا، ينظر للطلاب، ولمّا رأى "سحر" منكمشة في ركن الفصل، ورأسها متورم، وعينها دامعة، رفع صوته: ــ
ماذا حدث....؟
مٓن الذي فعل هذا بالطالبة "سحر....؟
وقف بعض التلاميذ يشيرون إلى المعلمة "حميدة" وهي تحاول تبرير الموقف ببرود غريب:
ــ "هذه الطالبة عنيدة… و لم تسمع الكلام، وأنا كنت أعلّمها الأدب."
أقترب المدير مِن "سحر" رفع شعرها قليلًا، فرأى الورم بعينه فصاح بعصبية:
ــ "إنتِ تجعلين الطالبة مريضة نفسياً بهذه الطريقة......؟!
ماذا تفعلين هذه ليست رسالة معلمة.....؟!
هل أنتِ ترين أن الفصل هذا سجن...؟
هذه مدرسة يا أستاذة مدرسة...!"
لابد أن الطالب يحس فيها بالأمن والأمان لأنهم هم شباب الغد والمستقبل القريب.
لم تستطيع المعلمة "حميدة" الرد على المدير .
لم يكن يومًا عاديًا كانت "سحر" قد تلقت ضربة لم تكن في الجسد فقط، بل في إيمانها بأن المدرسة التي تعد مكان للأمان قد اهتزت بداخلها.
تم إيقاف المعلمة "حميدة" وجاءت الحاجة "حسنة" في المساء وهي مجهده بعد أن نُقل الخبر مِن طالب إلى آخر حتى وصل إلى القرية.
احتضنت "سحر" بقوة ومسحت دموعها وهي تهمس لها:
ــ "لا تخافي… غداً سوف تنجحين وتصبحين أقوى منهم جميعاً."
في تلك الليلة لم تنم "سحر" كعادتها.
ظلت تفكر في وجوه الطلاب في عيون المعلمين لها، وفي شكل الظلم الذي تعرضت له ذلك الشيء الذي لا يُوصف، لكنه يُشعر تمامًا.
ومِن يومها هذا بدأت تشعر أن رحلتها في الحياة لن تكون عادية، وأنها ستواجه أشياء أكبر مِن عمرها بكثير. بقلم...عاشقة الوطن سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق