أشرقت شمس اليوم التالي على بيت "أنعام" كما تشرق عادةً…
لكنها هذه المرة بدت خجولة، كأنها تعرف أن أحد أبنائها سيرحل عن الدار مؤقتًا، ليبدأ فصلاً جديدًا مِن رجولته.
كان "محمد" يستعد للسفر إلى الجيش، والحقيبة بجواره مكتظة بالملابس والذكريات.
كانت "أنعام" تتحرك في المطبخ كمن يحارب الزمن… أعدت له طعامًا يكفيه لأيام:
رغيفين مشبعين بالحب، قطعة جبن، بعض المعلبات، وقلب أم يفيض بالدعاء.
وضعت الأغراض في الحقيبة وهي تقول له برفق:
ـ "هذه بعض الإحتياجات المعلبة الخفيفة يا ابني تسندك لحين أن تتأقلم، وكل لقمة تأكلها فيها دعوة مني بالبركة و الخير."
أبتسم "محمد"، ثم طبع قبلة على رأسها وقال:
ـ "لا تحملي همي يا أمي، هذه خطوة مهمة في حياتي ولابد أن تأخذ وأمر بها مثل باقي الشباب لحماية الوطن فهذا واجبنا كرجال في هذه البلد الحبيبة مصر أم الدنيا حفظها "الله" تعالى."
وقف الجميع يودعونه… أحمد كان متماسكًا، لكن عينيه لم تخفيا الحزن، "آمال" حيّته بيدها الصغيرة تحية الأبطال وأبتسمت، "محمود" صمت وهو يراقب، أما "سحر… فقد بكت.
قالت له "سحر" وهي تحاول أن تخفي دموعها خلف ضحكة باهتة:
ـ "سأفتقدك يا "محمد كثيراً… البيت مِن دونك فارغ."
رد "محمد" وهو يربت على كتفها:
ـ "هذا فقط شهر يا "سحر"، وأعود إليكم في أول أجازة."
ثم ضمهم واحدًا واحدًا…
"أحمد"، "محمود"، "آمال"، و"سحر… حتى "أنعام"، احتضنته طويلًا، ثم قالت هامسة:
ـ "أعتني بنفسك جيداً يا ولدي… وكل يوم سوف أدعي لك… ربنا يردك لنا سالم غانم بكل خير."
أنطلق "محمد" يغيب عن البيت، ووراءه أنظارهم تلحقه حتى أُغلق الباب.
صمتت المكان قليلًا… ثم رفعت "سحر" عينيها نحو أمها وسألتها بقلق:
ـ "هو "محمد" سوف يغيب كتيراً هذه المرة يا ماما....؟"
ردت "أنعام" بصوت دافئ مطمئن:
ـ "لا يا حبيبتي… شهر فقط، وبإذن الله ينزل أجازة، لا تقلقي يا سحر."
تنهدت "سحر" وقالت:
ـ " ماما أريد أن اذهب لزيارة جدتنا … ممكن بعد المدرسة نذهب لزيارتها.
جدتي ذكية… أم السيد إشتقتُ إليها كثيراً...؟
أريد أن أطمن عليها."
هزّت الأم رأسها بإبتسامة:
ـ "حاضر يا "سحر… أمي وحشتني كثيراً ، نرتب البيت وننتهي مِن بعض الأشياء، وعند عودتك من المدرسة نذهب إليها سوياً."
مرّ اليوم بهدوء…
"أحمد" خرج للعمل كعادته، و"محمود" عاد مِن مدرسته يحمل حقيبته وصوت صياحه المعتاد وهو ينادي مِن الشارع:
ـ "يااااه أنا جعائع يا أمي...!"
ضحكت "آمال"، وأسرعت إليه، ثم عادت إلى أمها التي كانت تدبّر أمور المنزل بهدوء، ومعها آمال تساعدها في ترتيب الغرف، ونفض الغبار عن الأركان.
في الظهيرة…
عادت "سحر" مِن المدرسة، متعبة مِن الدروس، مرهقة مِن البعد عن "محمد"، لكنها فرِحة بوعد والدتها.
جلست على المائدة تتناول الغداء مع إخوتها، وكان الجو حميميًا رغم الغياب.
وبعد الإنتهاء، قامت "أنعام" تمسك بيد "سحر"، وقالت لها:
ـ "يلا يا ابنتي، نفي بوعدنا… نذهب لزيارة جدتك "ذكية أم السيد"، ونسأل عليها."
أبتسمت "سحر" كأن قلبها استعاد شيئًا مِن الأمان، وأمسكت يد أمها بخفة:
ـ "ربي لا يحرمنى منك يا ماما… ويطمئنا على "محمد" ويعود لنا بالسلامة."
ثم خرجوا جميعاً…
يسيرون في شوارع "بور سعيد… الأم
و بنتاها و "محمود"، يحملان الحب والزيارة، يتمسكون ببعضهما كأن الزمن لا يجرؤ على التفريق بين قلوبهم . بقلم عاشقة الوطن....سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق