الأربعاء، 25 فبراير 2026

"تجمع العائلة"


عاد "محمد" مِن الجيش، يحمل في ملامحه تعب الطريق وغبار الأيام الثقيلة، لكنه في عينيه نور مشتعل بالحب والشوق.

أستقبله البيت بحضنه القديم، بوجوه أحبته، بأخيه "أحمد"، وأخيه الصغير "محمود"، و"بآمال" و"سحر"، وبأمه التي طالما انتظرته بقلبٍ مشدود على الأيام.

جلس بينهم، يتأملهم واحدًا واحدًا وكأنه يتفقد عمرًا مضى، ثم قال بصوت خافت به ثقة:

– "سوف أنزل للعمل مع "أحمد" في فترة الإجازة...  لسد احتياجاتِ مِن المصاريف، ولا يجوز لي الجلوس بالبيت دون عمل من غير فائدة."

نظرت إليه "أنعام" بحنو، وأمسكت يده التي كانت لا تزال تحمل خشونة السلاح:

– "استرح يا "محمد"، أراك مجهد ويظهر على وجهك إرهاق كبير، كأنك تحمل الجبل بأكمله فوق عاتقك."

أبتسم "محمد" وهو يضغط على يدها:

– "أنا بخير يا أمي، تعبت لكن مِن الشوق لكم... عندما أعمل، سوف أنسى كل التعب.

وهذا وقت العمل ،  لأكون سند وليس حمل."

نظر "أحمد" إليه بفخر، وربت على كتفه:

– "تنزل للعمل معي في التجارة أنا تعلمت منك الكتير يا "محمد"، و كيفية الحصول على الرزق الحلال والإجتهاد وهذا شرف لكل رجل حر يعمل بكد وإجتهاد."

وبالفعل نزل "محمد" في اليوم التالي مع أخيه "أحمد"، وقضى يومًا شاقًا بين الزبائن والبضائع وحسابات البيع والشراء، لكن قلبه كان خفيفًا، يشعر بأنه عاد أخيرًا لمكانه الطبيعي بينهم، ولعمله الذي أبتعد عنه بسبب الجيش.

وفي المساء، حين عاد إلى البيت، وجد المطبخ يعج برائحة الطعام البيتي، و"آمال" و"سحر" يساعدان أمهما في إعداد الغداء، والضحك يعلو مِن حين لآخر كأنه موسيقى قديمة تنبعث مِن الذكرى.

دخل "محمد" مبتسمًا وقال:

– "كم أشتقتُ إلى تجمع العائلة ... والتجمع حول السفرة مثل الماضي، لا ينقصنا غير أبي."

سكت "محمد" لحظة، ثم تنهد:

– "أتمنى أن يتصل أبي... فكم أشتاق لسماع صوته يا أمي."

رفعت "أنعام" رأسها نحوه، وإبتسامة مشوبة بالدمع تعلو ملامحها:

– "إن شاء الله يا ولدي... لدى إحساس أنه سوف يكلمنا اليوم.

حلمت بيه قبل الفجر، كان واقف وسطنا وبيضحك، كأنه بيطمن علينا."

وما هي إلا دقائق، حتى رن الهاتف في الصالة، فركض "محمود" الصغير إليه وهو يصيح:

– "مامااااا! بابا بيتصل...!"

انفرج وجه "أنعام":

– "جاء على سيرته... والدكم آتي على السيرة."

هرع الجميع إلى الهاتف، والتفوا حول السماعة كأنهم يتحسسون منها ملامح الأب البعيد.
صوت رفاعي جاء دافئًا كعادته، مبللًا بشوق الغربة:

– "السلام عليكم يا حبايب قلبي... كيف أخباركم ....؟"

ردت "أنعام" بصوت مرتجف:

– "وحشتنا يا "رفاعي... "محمد" عاد مِن الجيش، ونحن مجتمعين مع بعض، لكن البيت ينقصه تجمعك معاً."

قال "محمد" بصوت متهدج:

– "طمئني عليك يا أبي.....؟
إشتقت لسماع صوتك كثيراً."

أجاب "رفاعي" بحنان الأب:

– "يا "محمد... يا ولدي .
سمعت أنك تعمل مع "أحمد بوقت اجازتك مِن الجيش......؟ 
أنت راجل يا ابني، ربنا يثبتك ويزيدك صبراً."

أبتسم "محمد" وهو يسمع نبرة الفخر في صوت أبيه و تحفيزه له:

– "أحاول أن أكون على قدر المسؤولية، وأرفع رأسك في كل مكان يا أبي."

–"قال "رفاعي" أنا فخور بك مِن قبل ما تعمل يا ولدي... فخور بك لأنك ابني، ولأنك تساعد في إحتياجات البيت مثل ما تربيت راجل ربي يحميك يا "محمد."

سكت "محمد"، ودمعة حائرة سقطت مِن عينه دون أن يراها أحد.

تبادل "رفاعي" الحديث مع كل فرد في العائلة، سأل عن "آمال" و"سحر" و"محمود"، ثم أوصاهم أن يبقوا يدًا واحدة، وقال قبل أن ينهي المكالمة:

– "تجمع العائلة هذا ... حافظوا عليه. الدنيا بأكملها لا تعوض دفء العائلة ابداً."

إنتهت المكالمة، لكن أثرها ظلّ معلقًا في الأجواء، كأن دفء صوت "رفاعي" أصبح عالقاً على الجدران، وكأن البيت تنفس مِن جديد.          بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot