بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
في كل جيل يتكرر السؤال نفسه هل نعلم أبناءنا المعلومة أم نعلمهم كيف يستخرجونها لكن هذا السؤال رغم أهميته لم يعد كافيا لأن العالم تغير وطبيعة المعرفة تغيرت وما كان يعد ميزة قبل عشرين عاما أصبح اليوم متاحا بضغطة زر
المعلومة لم تعد نادرة الذكاء الاصطناعي جعل الوصول إليها فوريا تقريبا لكن القدرة على تخيل ما لم يكتب بعد ما زالت نادرة هنا يكمن الفرق بين تعليم يصنع موظفا وتعليم يصنع صانعا للمستقبل
حين نعلم الطفل الحفظ فإننا ندربه على البحث عن الإجابة الصحيحة داخل كتاب مغلق وحين نعلمه فقط مهارة البحث فإننا نؤهله ليعمل بكفاءة داخل نظام قائم لكنه يظل أسير الإطار الذي صممه غيره أما حين نعلمه الخيال المنضبط فإننا نمنحه القدرة على تخيل إطار جديد بالكامل
الذكاء الاصطناعي أداة قوية لكنه لا يصنع الاتجاه الابتكار مهارة مهمة لكنه لا يولد من فراغ الخيال هو الجذر العميق الذي يسبق كل تقنية وكل نموذج عمل وكل نظرية اقتصادية كبرى
المشكلة في كثير من الأنظمة التعليمية ليست نقص الموارد ولا نقص العقول بل طريقة القياس حين يقيم الإبداع بعقل بيروقراطي يتحول الابتكار إلى استمارة تملأ لا أفق يفتح وتصبح المدرسة مصنعا لإعادة إنتاج نفس النمط من التفكير لا مساحة لاكتشاف نمط جديد
نحن لا نواجه تحديا معرفيا بقدر ما نواجه تحديا فلسفيا هل نعد أبناءنا ليتكيفوا مع عالم صممه غيرهم أم نعدهم ليشاركوا في إعادة تصميمه
الدول التي تركز على الحفظ تنتج جيلا ينتظر التعليمات الدول التي تركز على استخراج المعلومة تنتج جيلا يتقن التنفيذ لكن الدول التي تزرع الخيال المسؤول تنتج جيلا يكتب القواعد ويحدد المسار
المستقبل لن يكون لمن يعرف أكثر بل لمن يرى أبعد والتعليم الذي لا يحرر الخيال سيجد نفسه بعد سنوات يستهلك ما يصنعه الآخرون
السؤال إذن ليس أي مادة ندرس ولا أي مهارة نضيف إلى المنهج السؤال هو أي إنسان نريد أن نصنع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق