بقلم: أحمد المهدي صفوت
لم يعد الاعتداء على الأطباء وأعضاء الفرق الطبية واقعة فردية عابرة، بل تحول إلى مسلسل متكرر يعكس خللًا عميقًا في منظومة الوعي المجتمعي وتطبيق القانون. أحدث فصول هذا المشهد المؤلم ما جرى داخل مستشفى ديروط العام، حين تعرض فني الأشعة عمرو خالد للاعتداء بالضرب على يد أحد المستشارين، بسبب رفضه كسر قواعد الانتظار وإدخال نجلته لإجراء الأشعة دون الالتزام بالدور.
الواقعة في ظاهرها مشاجرة داخل مؤسسة خدمية، لكنها في جوهرها اختبار حقيقي لمفهوم دولة القانون. فبمجرد حدوث الاعتداء، انتقلت قيادات مركز شرطة ديروط بكاملها إلى المستشفى، كما حضر أعضاء النيابة العامة لفتح التحقيق، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل كانت سرعة التحرك ستحدث بنفس الصورة لو كان المعتدي مواطنًا بسيطًا؟ أم أننا ما زلنا أسرى لفكرة “المقامات” التي تفتح الأبواب المغلقة وتمنح امتيازات غير مستحقة؟
القانون في نصوصه لا يفرق بين مستشار وغفير، والدين الإسلامي أرسى قاعدة خالدة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الناس سواسية كأسنان المشط”، لكن الواقع اليوم يكشف عن فجوة خطيرة بين النص والتطبيق، حيث تتحول بعض المواقع الوظيفية إلى أدوات ضغط وهيمنة داخل أماكن يفترض أن يسودها النظام والإنسانية.
حادثة ديروط ليست الأولى، فقد سبقتها وقائع أحدثت ضجة إعلامية واسعة، مثل واقعة الاعتداء على ممرضة على يد ضابط طيار، والتي قيل إنها تعرضت للضرب بالحزام داخل مقر عملها، ووقائع أخرى لأطباء تم التعدي عليهم داخل أقسام الاستقبال والطوارئ بسبب رفضهم مخالفة اللوائح أو الاستجابة لطلبات غير قانونية. في كل مرة يشتعل الرأي العام، تتصدر القضية العناوين، ثم تهدأ العاصفة تدريجيًا لتُحفظ الملفات في الأدراج وكأن شيئًا لم يكن.
هذه الدائرة المغلقة من الإثارة المؤقتة ثم النسيان السريع تُفقد الأطقم الطبية الشعور بالأمان، وتدفع كثيرين إلى الهجرة أو ترك المهنة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية أصلًا من نقص الكوادر وضغط العمل.
القضية هنا ليست دفاعًا عن فني أشعة أو ممرضة أو طبيب بقدر ما هي دفاع عن هيبة القانون وحق المريض نفسه في خدمة طبية مستقرة. فالطبيب أو الممرض الذي يعمل تحت التهديد لا يستطيع أن يقدم خدمة آمنة، والمستشفى التي تُدار بمنطق النفوذ لا يمكن أن تحقق العدالة بين المرضى.
إن المساواة أمام القانون ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط المواقف: دور انتظار داخل مستشفى حكومي. وإذا كان المجتمع يقبل اليوم بكسر القواعد من أجل صاحب منصب، فغدًا سيدفع الجميع ثمن انهيار هذه القواعد.
يبقى السؤال: هل تتحول واقعة ديروط إلى نقطة فاصلة تعيد الاعتبار لكرامة الفريق الطبي وتؤكد أن لا أحد فوق القانون؟ أم تلحق بسابقاتها في ذاكرة الضجيج الإعلامي الذي ينتهي بلا حساب؟
الإجابة ليست في بيانات الشجب ولا في العناوين الساخنة، بل في تطبيق حاسم للقانون يراه الناس بأعينهم، فيدرك الجميع أن المستشفى مكان للعلاج لا لساحة استعراض النفوذ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق