كان مساءً صامتًا مِن مساءات "أخمين" في محافظة سوهاج، حين جلست "أنعام" وحدها في الشرفة الصغيرة، تنظر إلى السماء التي بلا نجم، والريح التي بدت ثقيلة كأنها ترفض السير.
أربعة أعوام مرّت كأنها زمنان:
زمن الألم والتشتّت، وزمن لمّ الشمل والعمل والصبر.
لكن شيئًا داخلها ظلّ نائمًا، لا يستيقظ إلا حين تسمع نداء المؤذن يغيب في البعيد…
أو حين تشمّ رائحة سمك مقلي في السوق…
أو حين تنظر إلى وجوه أولادها وتراهم غرباء في أرض لا تحمل ملامحهم.
قالت في نفسها بصوت خافت:
ــ "أخدت مِن هذه البلد قوتي… لكن قلبي مازال هناك، في مدينة بورسعيد."
وفي الليلة ذاتها، حين نام الجميع، جلست تمسك دفترًا قديمًا، كتبت فيه بخطها المائل:
"أولادي ينضجون أمام عيني… "سحر" أصبحت واعية بما يكفي، و"آمال" سارت سيدة بيت صغيرة تدرك الطبخ، و"محمد" راجل بمعنى الكلمة.
عشت هنا بصعيد مصر،و لكن البحر بيناديني "ببورسعيد… والبيت القديم هناك، رغم التراب، لكنه يتذكر رئيحتنا.
حان وقت الرجوع والعودة إلى "بورسعيد."
وفي الصباح، استدعت أولادها واحدًا واحدًا.
جمعتهم حولها، وجلست في المنتصف، تنظر إليهم جميعًا كأنها ترى مشوارًا طويلاً يمرّ بعينيها.
قالت "أنعام" بصوت هادئ لكنه حاسم:
ــ "لقد جاء الوقت الذي نعود فيه لمدينة "بورسعيد".
ساد الصمت للجميع… ثم ظهرت الدهشة على وجه "محمد"، و"سحر" فتحت فمها كأنها ستسأل، لكن آمال سبقتها: ــ "نعود؟
تتكلمين بصدق يا أمي...؟"
أومأت الأم برأسها وقالت:
ــ "أنا تعلّمت منكم… تعلّمت أن أرضي هي مٓن ولدنا ونشأنا فيها.
عودتنا لم تكن هروب مِن "أخمين… عودتنا إلى مدينة "بورسعيد" احتياج وليس هروب خرجنا منها بسبب العدوان والحرب ، ولكن الأن الوضع استقر ،ولابد مِن العودة لوطننا "بورسعيد."
أقترب "محمد" منها وقال بحنان:
ــ "ونحن معكِ في أي مكان يا أمي… "بورسعيد هي وطننا وأرصنا لابد مِن الرجوع لبناءها واعمارها مِن جديد فهي الوطن… نحن عائلتك ومعك قلباً وقالباً."
ضحكت الأم لأول مرة منذ أيام، وقالت وهي تمسح دمعة خفيفة:
ــ "بورسعيد لها في قلبي طعمة مالح… لكنها الحب وأتمنى دائما أن تنتهي حياتي بهذه المدينة وتكون انتهاء مشوار يختتم بها."
بدأت ترتّب الأوراق، وأنهت إجراءات نقل المدرسة "لسحر" و"آمال"، وحزمت الحقائب القليلة التي بقيت.
لكنها لم تحزم ذكرياتها مِن قرية "أخمين… تركت فيها الامتنان، وشيئًا مِن روحها، وكأنها تهمس للبلد:
ــ "شكراً إنك تحملتيني وقت ما كنت فيه تائهة."
وفي يوم المغادرة، لم يكن وداعًا حزينًا، بل كان شبيهًا بمغادرة المسافر الذي يرى شباك القطار ويعرف أن مقصده هذه المرة هو القلب نفسه.
ــ جهزوا أغراضهم، و حزموا حقائبهم ، واستعدوا للرحيل
ركبوا القطار مع شروق الشمس في الصباح الباكر، و"سحر" جلست بجوار "آمال" قرب النافذة، وقالت "آمال":
ــ "هل بيتنا حاله كما هو أم تغير منه شيء بسبب الحرب؟"
أجابت "سحر" بإبتسامة شاردة:
ــ "البيت؟
مِن الممكن أن يكون تغيّر بعض الشيء مِن أثر العدوان… لكن رائحة البحر لم بتتغيّر."
أما الأم، فكانت تنظر عبر الزجاج مِن النافذة، وتضم "محمود" النائم على كتفها، وتقول في سرّها:
سنبدأ مِن جديد… لكن هذه المرة وأنا قوية بأولادي وهم حولي.
وعادت العائلة إلى "بورسعيد…
إلى الشوارع التي حفظت خطاهم وهم أطفال…
إلى النوافذ التي كانت تراقب غيابهم…
إلى البحر الذي انتظرهم، بصبر لا يُجيد إلاه.
وكانت العودة هذه المرة، ليست مجرد رجوع للمكان الذي تركته الأسرة بسبب حرب العدوان على مدينة "بورسعيد"، بل رجوع للهوية… وللبداية التي لم تكتمل مِن قبل بسبب دمار الحرب على هذه المدينة الباسلة حتى هدأت الأجواء وبدأ الجميع للعودة إلى مدينتهم لإعمارها مِن جديد. بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق