في زحام الحياة، حين تتصادم الأرواح وتتشابك المصالح، تبقى الرحمة ذلك الخيط الخفي الذي يمنع القلوب من التحطم. هي ليست مجرد عاطفة عابرة، بل لغة تتحدثها القلوب قبل الشفاه، ونبض ينتظم به إيقاع الحياة.
تأملوا معي هذا المشهد: طفل صغير يبكي في الشارع، فتتوقف امرأة غريبة عنه لتمسح دموعه وتسأله عن سبب بكائه. لم تكن أمه، لم تكن تعرفه، لكن قلبها اهتز لبكائه. هذا هو الرحمة. أو ذلك الرجل العجوز الذي يعبر الطريق بصعوبة، فيسرع شاب ليأخذ بيده ويعينه على العبور. لم يطلب منه أجراً، لم ينتظر شكراً، فقط لأن قلبه رأى ضعفاً فامتلأ رحمة.
الرحمة في البيت أن تصبر على زوجتك حين تمر بيوم صعب، أن تتحمل أخطاء أبنائك الصغار لأنهم لا يزالون يتعلمون، أن تتفهم تعب والديك المسنين فتمسح على أيديهما بحنان. هي في أن تبتسم في وجه أخيك، وأن تسمع صديقك دون مقاطعة، وأن تسامح من أساء إليك ولو كان الحق معك.
في زمنٍ أصبحت فيه القلوب أحياناً أقسى من الصخر، والوجوه أبرد من الشتاء، نحن بحاجة ماسة إلى جرعة رحمة تذيب الجليد. إلى كلمة طيبة تخترق جدران العزلة، إلى نظرة حنون تعيد الثقة لمن فقدها. الرحمة ليست ضعفاً كما يظن البعض، بل هي أقوى صور القوة. لأن القوي حقاً هو من يملك قلباً رحيماً في عالم قاس.
انظروا إلى الطبيعة من حولكم: الأم تطعم صغارها بمنقارها، والشمس تشرق على الجميع بلا تمييز، والمطر يهطل على الأرض الخصبة والصحراء الجرداء على حد سواء. هذا هو قانون الكون: العطاء بلا مقابل، الرحمة بلا حدود.
يقول النبي الكريم ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". إنها معادلة إلهية واضحة: كلما رحمت، رُحمت. كلما أعطيت حباً، جُبيت حباً.
جربوا يوماً واحداً فقط أن تنظروا للعالم بعيون الرحمة. أمكم التي تنتظر مكالمتكم، صاحبكم الذي يمر بضيق، ذلك العامل المتعب في الشارع، سائق الحافلة الذي قضى ساعات خلف المقود، زميلكم في العمل الذي يخفي خلف ابتسامته هموم لا يعلمها إلا الله. كل هؤلاء يحتاجون منا نظرة حانية، كلمة طيبة، ابتسامة صادقة.
لنمد جسور الرحمة بيننا، لنكسِر الحواجز التي نصنعها بأنفسنا، لنعيد اكتشاف معنى الإنسانية الحقيقي. فالدنيا قصيرة، والقلوب إن قست يوماً قد لا تلين أبداً. والمحبة الحقيقية لا تصنعها الهدايا الثمينة، بل تصنعها المواقف الصغيرة التي تترك أثراً كبيراً.
يا رب، ارزقنا قلوباً رحيمة لا تعرف القسوة، وأرواحاً محبة لا تعرف الكراهية. اللهم اجعلنا ممن إذا غضبوا رحموا، وإذا أخطأوا اعتذروا، وإذا أسئ إليهم سامحوا. وانثر في دروبنا من الناس من يذكرنا برحمتك، ولا تجعلنا ممن قست قلوبهم فنسوا كيف يحبون.
تعالوا نكتب عهداً جديداً مع أنفسنا: أن نكون أكثر رحمة، أكثر حباً، أكثر تسامحاً. لأن في النهاية، لن يتذكرنا الناس بما جمعنا من أموال، ولا بما بنينا من صروح، ولكن سيتذكروننا كيف جعلناهم يشعرون بالقرب والأمان، وكيف كانت قلوبنا أوطاناً للباحثين عن دفء المشاعر.
فهل نبدأ اليوم؟
بقلم دكتور شيرين فؤاد
استشاري تدريب وتطوير دولي ولايف كوتش معتمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق