الأحد، 22 فبراير 2026

شموخٌ على قارعة الطريق


لا حظت شيئاً أيها الفاضل؟ تأمل قليلاً في وجوه الناس من حولك. لاحظت أن أكثر من يُعاني في هذه الحياة، ليسوا هم أولئك الذين نشأوا بلا قيد أو وازع، بل على العكس تماماً. أكثر من يتألم هم أولئك الذين تراهم جيداً، أولئك الذين أُحسن تربيتهم، أولئك الذين وضعت لهم أسرهم حدوداً من الأدب والأخلاق والقيم، فشبّوا على احترامها والتزامها حتى صارت جزءاً من كيانهم.

هؤلاء هم "أسرى المبادئ". هم من لا يستطيعون تجاوز قناعاتهم الداخلية، لا لأن أحداً يراقبهم، بل لأن الضمير اليقظ داخلهم هو الرقيب الأشد. تراهم يتألمون حين يقابلون قسوة القلب بقلبهم المرهف، وحين يصطدمون بوقاحة الآخرين فيتراجعون أدباً لا خوفاً، وحين يخسرون في صفقة ما لأنهم لا يستطيعون الكذب بينما غيرهم يكسب الدنيا بضحكة صفراء وقلب أسود.

بينما الآخر... تراه لا حدود له. يسير في بحر الوقاحة بلا ضير، كمن يملك الدنيا وما فيها، يمشي كالسفينة بلا شراع ولا دفة، تصطدم بكل ما حولها دون أن تخدش نفسها. لا يهمه إن جرح أو أساء، فمبادؤه مرنة، وحدوده مرسومة بطباشير تُمحى متى شاء. هذا الآخر، قد تراه في الدنيا أوفر حظاً، قد يسبقك إلى منصب أو مال، وقد تدمع عيناك وأنت تراه يحصل على ما تمنيته بطرق لا ترتضيها نفسك.

ولكن هنا، أيها الصديق الذي يتألم، هنا مكمن العظمة وهنا بيت القصيد.

إن ما تحمله من أخلاق ليس مجرد عبء ثقيل تحمله على كتفيك في سوق الحياة، بل هو أثمن ما تملك. إنه استثمارك الحقيقي الذي لا يعرف الخسارة. صحيح أن مقام الأخلاق في الدنيا قد يكون شاقاً، وقد يجعل منك في بعض الأحيان "غريباً" بين الناس، وقد تشعر أنك تدفع ثمناً باهظاً لصدقك وأمانتك وأدبك. لكن تذكر دائماً، أن هذا الثمن الذي تدفعه اليوم هو زكاة أخلاقك، وهو الذي يرفع قدرك حيث لا ينفع مال ولا بنون.

إن مقام الأخلاق في الآخرة أقيم وأسمى وأعظم. هي التي تثقّل ميزانك، وهي التي تظللك يوم لا ظل إلا ظله، وهي التي تجعلك في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. كل كلمة قلتها بخير، وكل موقف تنازلت فيه عن حقك ابتغاء وجه الله، وكل دمعة ذرفتها من ظلم لم ترد عليه بمثله، هي عند الله في أعلى عليين.

قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" (الكهف: 30).
وقال النبي ﷺ: "إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق".

أنت على خلق عظيم، يا من تحافظ على قيمك في زمن التنازلات، يا من تتمسك بأدبك رغم فظاظة العالم من حولك. أنت كمن يحمل في يده جوهرة ثمينة في سوق مزدحم باللصوص؛ قد تتعب في حمايتها، لكن قيمتها تبقى لا تُقدر بثمن.

فاصبر على جمال روحك، ولا تتنازل عن مبادئك لأن الدرب صعب. فوالله، إن النهايات العظيمة لا تليق إلا ببدايات صعبة، وإن أعلى القمم لا تدركها إلا أقدام عرفت طريق التعب، وإن شموخك اليوم على قارعة الطريق المؤلم، سيكون غداً في أعلى الجنان مأواك.

لا تحزن فأنت على خلق عظيم.

بقلم دكتور شيرين فؤاد 
استشاري تدريب دولي معتمد ولايف كوتش معتمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot