الأربعاء، 11 فبراير 2026

حين يوجع القلب صمت الوداع


في صباحٍ رماديّ كانت الريح تهزّ أغصان شجرة الجميز بجوار البيت العتيق بيت الحاجة "حسنة" كأنها تُنذر بأن شيئًا على وشك أن يُفلت مِن اليد.

كانت "سَحر" تجلس على حافة السرير تَعقِد ضفائرها الصغيرة ببطء، وعيناها لا تفارق باب الغرفة. 

"آمال" تقف بجوار النافذة صامتة كعادتها حين تختلط بها المشاعر.
الجدة "حسنه" في المطبخ، تملأ الأكواب بالشاي الساخن، لكن قلبها كان معلقًا عند الباب الخارجي… حيث تقف الأم.

الأم "آنعام"  ترتدي عباءتها الرمادية، وحجابها المطرز بخيط ذهبيّ خفيف. 
كانت ترتب الحقيبة على كتفها، ولكن الحقيبة كانت الأيسر والثقل الحقيقي كان في صدرها.

دخلت الغرفة حاولت أن تبتسم، لكنها لم تنجح إلا بنصف ابتسامة.
أقتربت مِن "سَحر" وضمتها إلى صدرها، كأنها تحتضن عمرًا لن يعود.
ثم أمسكت بيد "آمال" وربتت عليها وقالت لها:
– "أنتِ الكبيرة يا "آمال" اعتني  بأختك، و بنفسك جيداً."

تقدمت نحو الحاجة "حسنه"  وأمسكت بيديها المرتجفتين وقالت لها:

– "يا أمي البنات أمانة في رقبتك.
أنتِ تعرفين مكانتهم عندي ومدى حبي لهم.

أنا لم أذهب للتنزة لكنني ذاهبة لأمهّد الطريق لهم، لأجل حياة أفضل منّا."

الحاجة "حسنه" لم تردّ بكلمة. فقط هزت برأسها، كأنها تُتمّ بوصيّة غالية.

عادت الأم للبنات، وجلست القرفصاء أمام "سَحر" وقالت لها بصوت خافت لكنه حاسم:

– "أنا لم أرحل بعيداً عنكم، أنا قريبة منكم حتى وأنا في بلد ثانية قلبي وروحي معكم 
لكن هذه فترة صغيرة، أنتهي فيها مِن بعض الأوراق ، وسوف ألحق بوالدكم.
وإن شاء الله نتجمع سوياً هناك،… مِن غير فراق."

"سَحر" حاولت أن تتماسك، لكن دمعة خانتها وسقطت بصمت على خدها.
الأم أمسكت وجهها بكفّيها وقالت لها:

– "يا ابنتي كوني قوية مثل ما أنتِ دائمًا. 
اسمعي كلام الحاجة "حسنه" وساعديها.
الخير الذي تفعليه اجعليه نورك إلى أن نتجمع مرة أخرى"

ثم قالت "آمال"بصوت مكسور:
– "و نحن أيضاً لم نغيب عنكِ… كل يوم سوف نكتب لكِ جواباً."

ضحكت الأم بدموعها:
– "واعطتهم صورتها لتكن رفيقة لهم في أثناء غيابها عنهم، وليتحدثوا مع الأم كل يوم قبل النوم."

حانت لحظة الوداع ولم تطل الأم في البقاء، ولم تُشبع القلوب منها.

الأم غادرت والطرقات الترابية تحت قدميها بدت أطول مِن المعتاد، وكأن الزمن يُبطئ عند الرحيل.

و"سَحر" ظلت واقفة عند الباب تمسك طرف ثوبها بقبضة صغيرة وقلب كبير.

وفي الليل بعد أن سكن كل شيء، تسللت "سَحر" إلى فراش الجدة ونامت بجوارها لتشعر بالأمان، وكأنها تبحث عن بقايا حضن أمها بين تجاعيد الحاجة "حسنه" .

وبين اليقظة والمنام همست "سحر":
– "يا رب، أحفظ لي أمي و أجعلها في أمن و سلام و أجعل  الأيام تمر مسرعة."

وكانت هذه الليلة… أولى ليالي الغياب، وأول اختبار لقلبٍ صغير بدأ يتعلم معنى "الانتظار" منذ صغره. 

بقلم عاشقة الوطن سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot