بقلم: أحمد المهدي صفوت
في الوقت الذي تتغنّى فيه الدولة بمفاهيم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، يبرز سؤال ملحّ لا يمكن تجاهله: أين ذهبت نسبة الـ 5% المقررة قانونًا لتعيين ذوي الإعاقة؟ سؤال يتضاعف ثقله بعد تحويل منظومة التعيينات، وعلى رأسها تعيينات المعلمين، إلى مسار يعتمد على القبول عبر الأكاديمية العسكرية، بما يتضمنه من اختبارات لياقة بدنية وتدريبات عسكرية، أقصت فعليًا فئة كاملة نصّ الدستور على حمايتها.
القانون واضح… والتطبيق غائب
القانون المصري، والدستور قبل أي تشريع، أقرّا مبدأ تخصيص نسبة لا تقل عن 5% من إجمالي الوظائف لذوي الإعاقة، باعتبار ذلك تمييزًا إيجابيًا واجبًا، لا منّة ولا استثناء. هذه النسبة ليست رقمًا رمزيًا، بل معادلة ملزمة:
> إجمالي الوظائف × 5% = الحد الأدنى لتعيين ذوي الإعاقة
>
وبتطبيق هذه المعادلة على ملف تعيين 30 ألف معلم، فإن النتيجة الحسابية البسيطة تقول إن 1500 معلم من ذوي الإعاقة كان يجب تعيينهم على الأقل. لكن الواقع الصادم أن هذه النسبة خَلَت تمامًا، وكأن القانون لم يُكتب، وكأن الدستور سطور بلا روح.
الأكاديمية العسكرية… بوابة مغلقة أم فلتر إقصائي؟
تحويل التعيين المدني، وخصوصًا في قطاع التعليم، إلى مسار يمر عبر اختبارات لياقة بدنية وتدريبات ذات طابع عسكري، يطرح إشكالية خطيرة:
* هل أصبحت اللياقة البدنية شرطًا لممارسة مهنة التعليم؟
* وهل يعقل أن يُستبعد معلم كفء بسبب إعاقة لا تمس قدرته العقلية أو التربوية؟
* وأين ذهبت فكرة "التيسيرات المعقولة" التي نص عليها القانون؟
ما يحدث عمليًا هو إقصاء مقنّع، لا يُعلن صراحة، لكنه يُنفّذ فعليًا، في مخالفة صريحة لفلسفة التشريع وروح الدستور.
الدستور لا يُجزَّأ
الدستور المصري ألزم الدولة بعدة استحقاقات أصيلة:
* حماية حقوق ذوي الإعاقة.
* دمجهم في سوق العمل.
* ضمان تكافؤ الفرص وعدم التمييز.
وما جرى في ملف تعيين المعلمين يمثل تناقضًا مباشرًا مع هذه الالتزامات، ويطرح تساؤلًا أخطر:
> "هل يمكن لمنظومة إدارية، مهما كانت نواياها، أن تعلو على الدستور؟"
>
ثلاثون ألف معلم… ولا مكان للخمسة في المائة
القضية هنا لا تتعلق بأفراد، بل بمبدأ. حين تُستبعد نسبة الـ 5% من تعيينات بهذا الحجم، فإن الرسالة التي تصل للمجتمع هي أن:
* الحقوق قابلة للتعليق.
* والقوانين قابلة للتجاوز.
* والفئات الأضعف هي أول من يدفع الثمن.
الخلاصة
ذوو الإعاقة لم يصبحوا خارج المنظومة بحكم القانون، بل أُخرجوا منها بفعل سياسات تنفيذية تخالف القانون والدستور.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة:
من يحاسب غياب الـ 5%؟ ومن يعيدها إلى المعادلة؟
لأن العدالة لا تُقاس بالشعارات، بل بالأرقام التي لا يجوز أن تختفي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق