الأربعاء، 21 يناير 2026

الأسواق لا تخاف الأزمات… بل غياب البوصلة !!!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح 
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
لم تعرف الأسواق يومًا طريقًا مستقيمًا .
تاريخها كان دائمًا مشبعًا بالصدمات من حروب عالمية إلى أزمات مالية إلى انهيارات مفاجئة أعادت تشكيل النظام الاقتصادي أكثر من مرة .
ومع ذلك، كانت الأسواق – على قسوة تلك المراحل – قادرة على الاستمرار لا لأنها قوية دائمًا، بل لأنها كانت ترى الاتجاه حتى وإن كان مؤلمًا .
اليوم، لا تبدو المشكلة في حجم الأزمات بقدر ما تبدو في تزامنها وفي غياب خيط واضح يربط بينها أو يقودها نحو نهاية مفهومة .
العالم لا يعيش أزمة واحدة بل يعيش حالة ارتباك ممتدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وتختلط فيها القرارات بالمفاجآت حتى بات السؤال الأهم ليس :
 ما الذي يحدث ؟
بل : 
إلى أين يتجه كل هذا ؟
في اليابان الدولة التي مثّلت لعقود طويلة أحد أكثر نماذج الاستقرار النقدي ثباتًا بدأت الثوابت القديمة تهتز .
ليس لأن الاقتصاد الياباني انهار بل لأن النظام العالمي نفسه تغيّر.
حين تتحرك اليابان خارج المسار الذي التزمت به لسنوات طويلة لا ترتبك طوكيو وحدها بل ترتبك معها الأسواق العالمية التي اعتادت اعتبارها أحد أعمدة اليقين .
وفي بريطانيا تظهر صورة مختلفة للأزمة .
دولة مستقرة سياسيًا ومؤسساتها لا تزال قائمة ومع ذلك يظل التضخم حاضرًا بلا حلول سهلة .
هنا تتجلى حقيقة مقلقة: حتى الاقتصادات التي تمتلك أدواتها لم تعد محصنة أمام بيئة عالمية مضطربة تُفرض عليها تكاليف لم تكن ضمن حساباتها الأصلية .
هذا المشهد المتشظي لا يمكن فصله عن السياسة العالمية وتحديدًا عن حالة عدم اليقين التي باتت تفرضها السياسة الأمريكية في مرحلتها الراهنة .
فالأسواق لا تخشى القرارات الصعبة بقدر ما تخشى القرارات غير المتوقعة .
التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن القرار الخاطئ يمكن احتواؤه أما القرار المفاجئ فيصعب تسعيره أو التحوط منه .
وهنا يصبح القلق أعمق .
ليس لأن الولايات المتحدة تمارس نفوذها، فذلك ليس جديدًا بل لأن طريقة إدارة هذا النفوذ باتت أقل قابلية للتنبؤ .
ومع غياب الإشارات الواضحة تبدأ رؤوس الأموال في التحرك بدافع الخوف لا بدافع التحليل ويصبح رد الفعل أسرع من التفكير .
وفي دافوس حيث اعتاد العالم أن يبحث عن اتجاه أو توافق لم تعد الإجابات حاضرة كما كانت.
النقاشات كثيرة والرؤى متعددة، لكن الإحساس العام يوحي بأن النخبة الاقتصادية العالمية نفسها لم تعد تملك سردية واحدة تقود بها المرحلة .
الكل يدرك حجم المخاطر، لكن لا أحد يملك خريطة واضحة للخروج .
هذا الارتباك ينعكس بقسوة أكبر على الأسواق الناشئة والاقتصادات الصاعدة .
فهذه الدول لا تعاني بالضرورة من ضعف داخلي لكنها تتحرك في فضاء عالمي سريع التقلب حيث تتحول التدفقات المالية إلى عنصر ضغط دائم وتصبح قرارات الخارج أكثر تأثيرًا من الجهد المحلي.
ومع ذلك فإن هذه المرحلة على قسوتها تحمل في طياتها مفارقة عميقة .
فالاقتصادات التي تملك رؤية طويلة المدى، وتفهم أن التنمية ليست استجابة آنية بل مسارًا استراتيجيًا، قد تجد في هذا الاضطراب فرصة لإعادة التموضع، لا للهروب .
السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كان العالم يتجه نحو هيمنة أمريكية كاملة، ولا ما إذا كان بصدد الابتعاد عنها بل ما إذا كان النظام الاقتصادي العالمي قادرًا أصلًا على تحمّل هذا القدر من عدم اليقين لفترة طويلة .
هل تستطيع اقتصاديات العالم الصمود أمام تراكم الأزمات السياسية والنقدية والجيوسياسية في حقبة زمنية واحدة ؟
أم أننا أمام مرحلة انتقالية طويلة يعاد فيها تعريف معنى الاستقرار ذاته ؟
ربما لا تكون المشكلة في كثرة الأزمات ولا في حدّتها بل في أن العالم يسير اليوم دون بوصلة واضحة .
وفي عالم كهذا…
لا تخاف الأسواق الأزمات
بل تخاف أن تتحرك بلا اتجاه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot