بقلم: أحمد المهدى صفوت
بينما تُصارع العائلات في صعيد مصر أعباء المعيشة وتكاليف الحياة اليومية، برز غولٌ جديد يطارد المواطنين حتى بعد رحيلهم. "الموت وخراب الديار" لم يعد مجرد مثلٍ شعبي، بل واقعاً مريراً يواجه أهالي محافظات الصعيد، حيث قفزت أسعار المقابر (الأحواش) إلى أرقام فلكية، جعلت من "السترة" عبئاً مالياً يكسر كاهل الأحياء.
"تجارة الموت" تكتسح القرى والمدن
في جولة ميدانية لرصد الوضع، تبين أن أسعار المقابر في محافظات مثل الأقصر وسوهاج وأسيوط لم تعد تقتصر على بضعة آلاف من الجنيهات كما كان الحال سابقاً. ففي المناطق القريبة من المدن الكبرى بالصعيد، يبدأ سعر "العين" أو القبر الصغير من 100 ألف جنيه، وقد يصل في بعض المناطق المتميزة والتشطيبات الفاخرة إلى 500 ألف جنيه وما فوق.
يقول أحد سكان محافظة المنيا: "كنا نحمل همّ جهاز العروسة، الآن أصبحنا نحمل همّ 'مأوى' الميت. المقبرة التي كانت بـ 20 ألف جنيه منذ سنوات قليلة، تُباع اليوم بأرقام خيالية، والسماسرة يتحكمون في السوق كأنها تجارة عقارات فاخرة."
بورصة "المقابر" في الصعيد (أرقام تقديرية)
وفقاً لشهادات الأهالي، يمكن رصد متوسط الأسعار الحالية في محافظات المواجهة:
* أسيوط وسوهاج: تتصدر المشهد بأسعار تبدأ من 150,000 ج.م وتصل إلى 350,000 ج.م للأحواش العائلية.
* الأقصر وقنا: تتراوح الأسعار ما بين 120,000 ج.م إلى 250,000 ج.م حسب القرب من النطاق العمراني.
* المنيا: تشهد تفاوتاً كبيراً، لكن المتوسط العام للمقابر القانونية يتجاوز 100,000 ج.م.
أسباب "الجنون" في الأسعار
يرجع المتابعون هذا الارتفاع الصادم إلى عدة عوامل، على رأسها ندرة الأراضي المخصصة للمدافن في الظهير الصحراوي، ودخول "سماسرة المقابر" كطرف أصيل يشتري المساحات ويجزئها لبيعها بأسعار مضاعفة، فضلاً عن الارتفاع الكبير في تكلفة مواد البناء من أسمنت وحديد ورخام، مما زاد من كلفة إنشاء "الحوش" العائلي.
استغاثات شعبية: "أين نذهب بموتانا؟"
تتعالى الصرخات بضرورة تدخل المحافظين ووزارة الإسكان لفتح باب التقديم على قرع أراضي المقابر بأسعار مدعمة، لمواجهة السوق السوداء. ففي الصعيد، ترتبط المقبرة بـ "عزة النفس" و"كرامة العائلة"، وهو ما يستغله البعض للضغط على الأهالي الذين يضطرون أحياناً لبيع ممتلكاتهم لتأمين مدفن يستر موتاهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق