الأحد، 4 يناير 2026

سقوط النظام الدولي: الجريمة التي ارتكبها الأقوياء


كتب: أحمد المهدى
لم يسقط النظام الدولي فجأة، ولم يُهزم في معركة كبرى، بل جرى تفكيكه قطعةً قطعة، على أيدي من ادّعوا أنهم حراسه. فمنذ أن فشلت عصبة الأمم في منع الحرب العالمية الثانية، وُلدت الأمم المتحدة عام 1945 على وعدٍ كبير: ألا يتكرر الجنون. لكن الوعد كان هشًّا منذ البداية، لأن القوة كانت دائمًا أعلى صوتًا من القانون.
بعد الحرب، انقسم العالم بوضوح: قطبان لا ثالث لهما. الاتحاد السوفيتي في الشرق، والولايات المتحدة في الغرب. كان توازن رعب، نعم، لكنه توازن يمنع الانفجار. حلف وارسو في مواجهة الناتو، والحرب الباردة تضبط الإيقاع. العالم كان يعرف حدوده، ويدرك أن أي تجاوز قد يعني نهاية الجميع.
ثم جاء الرجل الذي فتح الباب دون أن يعرف — أو ربما وهو يعرف — ما الذي سيدخل: ميخائيل غورباتشوف. تحت عناوين براقة مثل “الشفافية” و“إعادة الهيكلة”، جرى تفكيك الدولة من الداخل، والتخلي عن الحلفاء، وتسليم أوراق القوة واحدة تلو الأخرى. لم يُهزم الاتحاد السوفيتي عسكريًا، بل انهار سياسيًا واقتصاديًا، حتى أُعلن تفككه رسميًا عام 1991. في تلك اللحظة، لم يفرح العالم… فرحت واشنطن.
منذ ذلك اليوم، تحوّلت الأمم المتحدة إلى ديكور، وأصبح القانون الدولي نصًا يُستدعى عند الحاجة ويُداس عند التعارض مع المصالح. القطب الواحد تصرّف وكأن التاريخ انتهى، وكأن القوة تمنحه شرعية مطلقة.
الرسالة كانت واضحة منذ البداية. بنما عام 1989: غزو مباشر لإسقاط حاكم لم يعد مرغوبًا فيه. هايتي عام 1994: تدخل باسم “إعادة الديمقراطية”، بينما الحقيقة كانت فرض الوصاية. ثم جاءت الصدمة الكبرى: 11 سبتمبر 2001، الحدث الذي تحوّل إلى شيك مفتوح للحروب.
أفغانستان 2001: حرب طويلة بلا نهاية واضحة، دولة دُمّرت باسم مطاردة عدو شبح.
العراق 2003: الكذبة الأكبر في القرن الجديد. “أسلحة دمار شامل” لم تظهر، لكن الدمار كان شاملًا فعلًا. دولة فُككت، مجتمع تمزق، ومن تحت الأنقاض خرجت فوضى لا تزال تحرق المنطقة حتى اليوم.
بعدها جاء زمن “القفازات الناعمة”. لم تعد الدبابات دائمًا ضرورية. في ليبيا عام 2011، تدخل جوي باسم حماية المدنيين، والنتيجة دولة بلا دولة. وفي فنزويلا، محاولات انقلاب وضغوط اقتصادية وسياسية لإسقاط نظام لا يسير في الخط المرسوم.
تغيّر الرؤساء، لكن المسار واحد.
جورج بوش الابن حكم بالخوف والحرب المفتوحة.
باراك أوباما ابتسم كثيرًا، لكنه أدار الحروب بالوكالة والطائرات دون طيار.
اختلف الأسلوب، وبقي الجوهر: السيطرة لا الشراكة.
القول إن العالم يُدار اليوم بالقانون الدولي ليس سوى سخرية سوداء. الحقيقة أن القوة هي التي تكتب القواعد، ثم تعفي نفسها منها. أما الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فكثيرًا ما كان غطاءً لصفقات، أو مدخلًا لتفكيك دول لا تنسجم مع الإرادة الأمريكية.
ما نعيشه الآن ليس نظامًا عالميًا جديدًا، بل فراغًا خطيرًا. قوى تصعد، وأخرى تتراجع، والعالم يدفع الثمن. حين كُسر توازن القطبين، لم يُفتح طريق السلام، بل فُتح باب الفوضى.
التاريخ لن يسأل من كان الأقوى، بل من كان الأشد تدميرًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot