الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

عندما تموت الرحمة بين آباء تنكروا وأبناء يريدون الثمن



بقلم/امل صالح سليم

ليست كل حكايات العقوق تبدأ بابن يرفع صوته على أبيه أو أب يتخلى عن أبنائه في الشارع أحيانا تبدأ الحكاية بسنوات طويلة من الغياب والخذلان وتنتهي بأبناء لا يشعرون تجاه أبيهم بما يشعر به الآخرون وأب يعود في نهاية العمر ليكتشف أن مكانته لم تعد كما كانت

نحن أمام قضية اجتماعية شديدة الحساسية لأنها تضعنا أمام سؤال لا نحب مواجهته هل العقوق دائما من الأبناء أم أن هناك آباء يمارسون العقوق قبل أن يعرف أبناؤهم معنى الكلمة؟

تبدأ الحكاية بأب قرر الانفصال عن زوجته لكنه لم ينفصل عن زوجته فقط بل ترك أبناءه خلفه وكأن انتهاء العلاقة الزوجية يمنحه الحق في الابتعاد عن مسؤوليات الأبوة مضت السنوات وكبر الأطفال في غيابه وواجهوا تفاصيل الحياة دون وجوده وربما شاهدوا أقرانهم يجدون في آبائهم السند والحماية والاحتواء بينما هم يتعلمون كيف يستغنون عن شخص كان من المفترض ألا يستغنوا عنه.

لم يكن غيابه مجرد غياب رجل عن منزل بل كان غياب دور ومسؤولية وذكريات ومواقف لا تعوضها الأيام. فالطفل لا يحتاج إلى المال وحده بل يحتاج إلى أب يحضر حين يخاف ويسأل حين يتعب ويدافع عنه حين ينكسر ويشعره أن له ظهرا لا يميل.

ثم دارت السنوات وشاخ الأب وربما تغيرت ظروفه وأصبح يشعر بالوحدة والاحتياج إلى أبنائه فقرر العودة والتقرب منهم معتقدا أن رابطة الدم وحدها كافية لإعادة العلاقة إلى مكانها القديم.

لكن الأبناء لم يستقبلوا عودته بالحنين الذي كان ينتظره بل واجهوه بأسئلة تحمل سنوات من الحرمان

هل ستعوضنا عما فات؟ هل ستتحمل مسؤوليتنا كما كان يجب أن تفعل؟ هل ستقدم لنا الآن ما حرمنا منه ونحن صغار؟

هنا شعر الأب بالصدمة وبدأ ينظر إلى أبنائه باعتبارهم أشخاصا لا يريدون منه سوى المال وأنه لم يعد مهما في حياتهم إلا بقدر ما يستطيع أن ينفقه عليهم.

لكن هل فكر الأب للحظة أن هؤلاء الأبناء لم يصلوا إلى هذه الحالة فجأة؟ وأن وراء أسئلتهم سنوات من الاحتياج ربما لم يجدوا فيها من يسمعهم أو يعوضهم؟

وفي المقابل هل فكر الأبناء أن الرجل الذي يقف أمامهم اليوم ليس مجرد أب غائب في الماضي بل إنسان كبر في العمر وربما أصبح هو الآخر محتاجا إلى الاحتواء والرحمة والشعور بأنه لم يفقد أسرته إلى الأبد؟

هنا تتكشف المأساة الحقيقية.

الأب يشعر أن أبناءه يستغلون عودته للحصول على المال والأبناء يشعرون أن أباهم يريد استعادة مكانته دون أن يعترف بحجم الأذى الذي تسبب فيه.

كل طرف يرى مصلحته من وجهة نظره وكل طرف يتهم الآخر بالأنانية بينما الحقيقة أن العلاقة فقدت أهم ما يربط الأسرة ببعضها
 الثقة والمودة والشعور بالأمان.

لكن علينا أن نفرق بين الحق والواجب.

من حق الأبناء أن يتألموا وأن يطالبوا بالاعتراف بما تعرضوا له ومن حقهم ألا يمنحوا ثقة لم تبن بعد لكن ليس من حقهم أن يحولوا والدهم إلى مصدر مالي فقط أو أن يتعاملوا مع ضعفه باعتباره فرصة للانتقام.

ومن حق الأب أن يجد الرحمة والاهتمام في كبره لكن ليس من حقه أن يطالب أبناءه بمشاعر لم يزرعها فيهم أو أن يستخدم كلمة العقوق لإسكاتهم عن سنوات من الإهمال والتقصير.

فالبر لا يعني أن ننكر أخطاء الآباء كما أن أخطاء الآباء لا تمنح الأبناء رخصة لإهانتهم أو التخلي عن إنسانيتهم.

وهنا أيضا يجب ألا نساوي بين الطرفين في المسؤولية فالأب هو صاحب المسؤولية الأولى عن رعاية أبنائه حين كانوا أطفالا ولا يمكن اعتبار تخليه عنهم مجرد خلاف عائلي عابر كما أن عودته لا تمحو تلقائيا آثار غيابه لكنها قد تكون بداية لإصلاح حقيقي إذا صاحبها اعتراف وتحمل للمسؤولية.

الخلاصة أن الأبوة ليست امتيازا يحتفظ به الأب رغم تخليه عن واجباته والبنوة ليست علاقة مالية يختصر فيها الأبناء قيمة أبيهم فيما يقدمه لهم.

العلاقات الأسرية لا تبنى بالفواتير ولا تصلحها الحسابات القديمة لكنها تحتاج إلى شجاعة الاعتذار من الأب وشجاعة التسامح دون إلغاء الحقوق من الأبناء.

فليس كل أب مظلوما لمجرد أنه أب وليس كل ابن عاقا لمجرد أنه غاضب.

والسؤال الذي نتركه للمجتمع عندما يعود الأب بعد سنوات من الغياب ويجد أبناء لا يشعرون نحوه بالحنين هل نحاكم الأبناء على قسوة مشاعرهم أم نحاكم السنوات التي صنعت هذه القسوة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot