الأحد، 1 نوفمبر 2026

رضا وسعى يصنعوا المعجزات

بقلم /امل صالح سليم

ليس كل من امتلك المال استطاع أن يصنع مستقبلا لأبنائه وليس كل من عاش ظروفا صعبة كان محكوما عليه أن يظل أسيرها فهناك فرق كبير بين إنسان يستسلم لضيق الحال وإنسان يتعامل مع واقعه برضا ويسعى لتغييره بالعمل والصبر والإصرار

حكاية عامل بناء بسيط من الفيوم استطاع أن يرى بناته الثماني وهن طبيبات تحمل في أيديهن شهادة العلم وفي قلوبهن ثمرة سنوات من التعب ليست مجرد قصة تستحق الإعجاب بل رسالة تستحق أن نتوقف أمامها طويلا

فمن الممكن أن تنجح بنت واحدة ويكون ذلك إنجازا عظيما ومن الممكن أن تلحق بها الثانية والثالثة لكن أن تصل البنات الثماني إلى هذا المستوى فهنا لا نتحدث عن صدفة ولا عن ضربة حظ بل عن إصرار متكرر وتربية آمنت بأن الفقر لا يجب أن يكون سقفا للطموح

هذا الأب لم يكن يملك قصورا ولا شركات ولا أرصدة في البنوك لكنه امتلك شيئا ربما عجز عنه كثيرون امتلك هدفا واضحا وإيمانا بأن تعب اليوم يمكن أن يتحول إلى مستقبل أفضل لأبنائه

ولعل أعظم ما في حكايته أنه لم يجعل بساطة مهنته عائقا أمام أحلام بناته ولم ينظر إلى محدودية دخله باعتبارها نهاية الطريق بل تعامل مع المتاح وسعى بما يملك ولم ينتظر أن تتغير الظروف حتى يبدأ

وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرضا

فالرضا ليس أن نجلس في أماكننا ونردد أن هذا نصيبنا ثم نلوم الدنيا على ما لم تمنحنا إياه والرضا ليس استسلاما للفقر أو تبريرا للعجز بل أن تقبل واقعك دون أن تفقد رغبتك في تحسينه وأن تسعى دون أن تتحول إلى إنسان ساخط على رزقه أو حاقد على أرزاق الآخرين

والسعي الحقيقي لا يعني أن كل إنسان سيصل إلى النتيجة نفسها لكنه يعني ألا يخون الإنسان مسؤوليته تجاه نفسه وأبنائه وألا يجعل صعوبة الطريق سببا للتوقف

أما التقوى فهي ليست كلمات نرددها ولا مظهرا نتزين به بل أمانة وإخلاص في العمل وحرص على الحلال وقيام بالمسؤولية وخوف من الله في الحقوق والواجبات

وقد قال الله تعالى

ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب

لكن علينا أن نفهم أن الرزق ليس مالا فقط فقد يكون علما أو ذرية صالحة أو صحة أو راحة بال أو أثرا طيبا يتركه الإنسان بعد رحيله

هذه القصة تضع أمامنا سؤالا يستحق التفكير كم أب يملك المال لكنه لا يمنح أبناءه الاهتمام وكم أب بسيط لا يملك إلا قوت يومه لكنه يمنح أبناءه عمره كله

ليس المطلوب أن نقارن الناس أو نقلل من قيمة أي مهنة أو مستوى اجتماعي فكل عمل شريف يستحق الاحترام وكل إنسان له ظروفه واختباراته لكن المطلوب أن نتعلم أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك وإنما بما يصنعه بما لديه

ثماني بنات أصبحن طبيبات وراءهن أب لم يكن طبيبا لكنه مارس أعظم أدوار الحياة حين علّم بناته كيف يصنعن مستقبلهن

فالنجاح لم يكن في الشهادات وحدها بل في عقل أب لم يستسلم وفي بنات عرفن قيمة التضحية وفي أسرة فهمت أن العلم ليس زينة اجتماعية بل طريق لبناء الإنسان

والرسالة الأخيرة لكل من يشتكي ضيق الرزق ولكل من يقارن حياته بحياة الآخرين

ارض بما قسمه الله لك لكن لا تتنازل عن حقك في السعي واعمل بما تستطيع ولا تحتقر بدايتك ولا تنتظر طريقا مفروشا بالراحة فربما تكون خطواتك الصغيرة اليوم هي الحكاية التي سيتحدث عنها الناس غدا

فليس الغنى أن تبدأ ومعك كل شيء بل أن تعرف كيف تصنع من القليل بداية تستحق أن تروى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot