السبت، 17 أكتوبر 2026

الثقة لا تُطلب.. بل تُبنى

قراءة في العلاقة بين كفاءة المؤسسات واحتياجات المواطن ومسؤولية المجتمع
بقلم: محمود حامد الفرسيسي
مستشار علاقات دبلوماسية بالمجلس العربي الإفريقي الدولي
لا تُقاس قوة الدولة بما تنجزه من مشروعات فحسب، بل بقدرتها على تحويل الإنجازات إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. فالتنمية الحقيقية تحسّن جودة الخدمات، وتوسّع فرص المشاركة والإنتاج، وتمنح الأجيال الجديدة مستقبلًا أفضل.
ومن هنا، تبرز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ركيزةً للاستقرار والتنمية المستدامة. وهي لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالأداء الفعّال والشفافية واحترام القانون والاستجابة الجادة للاحتياجات.
من الإنجاز إلى الأثر
تمثل المشروعات القومية وتطوير البنية التحتية وتحديث الخدمات عناصر مهمة في بناء الدولة الحديثة، لكن نجاحها يكتمل حين ينعكس على حياة الناس. فالمواطن يريد خدمات صحية وتعليمًا جيدين، وإجراءات ميسّرة، وفرص عمل مناسبة.
لذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقييم النجاح المؤسسي على عدد المشروعات أو القرارات، بل يشمل جودة الخدمات، وسرعة إنجاز المعاملات، ومعالجة المشكلات، ورضا المواطنين. فالإنجاز الحقيقي لا يكتمل بتنفيذه، بل بأثره في حياة الإنسان.
الشكوى بابٌ للإصلاح
لا تعني شكوى المواطن الجادة خصومةً مع الدولة؛ فقد تكشف أوجه قصور لا تظهر في التقارير، وتساعد على تحسين الأداء. ومن ثم، ينبغي أن تكون الشكاوى جزءًا من ثقافة العمل المؤسسي: تُتابَع بجدية، ويُوضَّح ما اتُّخذ بشأنها، وتُعالج في إطار القانون، بدل الاكتفاء بتسجيلها أو إحالتها.
فالمؤسسة القوية ليست التي تدّعي خلوّها من الأخطاء، بل التي تكتشفها وتصححها وتعمل على منع تكرارها.
جودة الأداء مسؤولية مؤسسية
يتطلب تطوير العلاقة مع المواطنين مسؤوليةً واضحة في جميع المستويات الإدارية، من الموظف المتعامل مع الجمهور إلى القيادات المسؤولة عن التخطيط والقرار. فاحترام المواطن، وتيسير حصوله على الخدمة، والالتزام بالقانون، وتجنب التعقيد غير الضروري، مؤشرات أساسية على كفاءة الإدارة.
كما ينبغي أن تقيس آليات تقييم الأداء جودة الإنجاز، وعدالة الخدمة، وسرعة الاستجابة، واستدامة الحلول، لا عدد المعاملات المنجزة وحده. ويسهم وضوح المسؤوليات، وتبسيط الإجراءات، وفاعلية المتابعة والمساءلة في بناء إدارة أكثر قدرة على تلبية احتياجات المجتمع.
المجتمع المدني شريك في التنمية
للمجتمع المدني والمؤسسات الأهلية والمبادرات الجادة دور مهم في نشر الوعي، ورصد الاحتياجات، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، ونقل المشكلات إلى الجهات المعنية. وتزداد فاعلية هذا الدور بالتعاون مع مؤسسات الدولة، واحترام الاختصاصات القانونية، والابتعاد عن المزايدات والأنشطة الشكلية.
فالمجتمع المدني لا يحل محل الدولة، بل يدعم جهودها ويوسّع المشاركة، ويساعد على تحويل احتياجات المواطنين إلى مبادرات قابلة للتنفيذ. ومن شأن التواصل الفعّال بين المواطنين والجهات التنفيذية أن يفتح المجال لحلول أكثر واقعية ويعزز المسؤولية المشتركة.
دعم الدولة والنقد المسؤول
لا يتعارض دعم الدولة مع نقد أوجه القصور، كما لا ينتقص تحسين الخدمات من قيمة الإنجازات. فالنقد الموضوعي، القائم على معلومات دقيقة والمقترن بحلول قابلة للتطبيق، يمكن أن يدعم الإصلاح. أما تداول المعلومات غير الدقيقة وإطلاق الأحكام بلا أدلة، فيضعفان الحوار ويعرقلان الوصول إلى حلول.
وهنا تبرز أهمية الإعلام المسؤول، الذي يفسّر القضايا ويطرح الأسئلة ويفتح المجال للنقاش الجاد، بما يعزز وعي المواطنين ويحترم حقهم في المعرفة. فقوة الدولة تتعزز حين تستمع مؤسساتها إلى المواطنين وتحاورهم وتستجيب لهم.
الخلاصة
لا تُبنى الأوطان بالإنجازات أو الشعارات وحدها، بل بتكامل المؤسسات الفاعلة مع المواطنين الواعين، والتخطيط الجيد مع التنفيذ، والحقوق المصانة مع المسؤوليات المؤداة.
وحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وشكواه محل اهتمام، والقانون يحكم التعامل، وأن ثمار التنمية تصل إلى حياته اليومية، تصبح الثقة رصيدًا يدعم الاستقرار ويمهّد للتقدم. فالثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى معه؛ ولا تثبتها الكلمات، بل المواقف والنتائج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot