*بقلم: احمد عيسي الزوامكي*
في السياسة، أسهل شيء أن تتخذ موقفًا مع أو ضد، لكن الأصعب أن تكون مع الدولة وأنت تعرف لماذا أنت معها، وأن تدعم مؤسساتها واستقرارها، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على قراءة الواقع بالأرقام لا بالشعارات.
مصر خلال السنوات الأخيرة لم تتحرك في ظروف عادية؛ منطقة مضطربة، أزمات اقتصادية عالمية، حروب وصراعات على الحدود، واضطراب في حركة التجارة العالمية، وضغوط كبيرة على موارد النقد الأجنبي. ومع ذلك، استمرت الدولة المصرية في العمل، وكانت هناك مؤشرات اقتصادية تعكس تحسنًا في عدد من القطاعات.
خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ 5.3%، مقابل 3.5% في الربع المناظر من العام السابق. كما سجلت الصناعة التحويلية غير البترولية نموًا بلغ 14.5%، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات النسبة نفسها تقريبًا، بينما حقق قطاع السياحة نموًا بلغ 13.8%. وفي السياحة وحدها، استقبلت مصر نحو 5.1 مليون سائح خلال الربع الأول من العام المالي، مقابل نحو 4.3 مليون في الفترة المقابلة.
وعلى مستوى تحويلات المصريين بالخارج، سجلت التحويلات خلال العام المالي 2025/2026 نحو 47.3 مليار دولار، بزيادة 29.6% عن العام السابق، بينما وصل صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026.
كما شهدت حركة الملاحة في قناة السويس مؤشرات تحسن؛ إذ ارتفع عدد السفن العابرة خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 بنسبة 5.8%، وارتفع صافي الحمولة بنسبة 16%، بينما زادت الإيرادات بنسبة 18.5% مقارنة بالفترة المناظرة.
هذه الأرقام لا تعني أن كل المشاكل انتهت، ولا أن المواطن لم يعد يواجه ضغوطًا، ولا أن الطريق أصبح بلا تحديات. لكنها تؤكد أن الدولة المصرية تتحرك، وأن هناك نتائج يمكن قياسها، وأن بناء الدولة لا يمكن اختزاله في منشور على مواقع التواصل أو مقطع قصير يحمل شعارًا سياسيًا.
وهنا يجب أن نفرق بين الدولة والحكومة والمسؤول. الدولة المصرية أكبر من أي حكومة، وأبقى من أي وزير أو مسؤول، وأهم من أي خلاف سياسي عابر. الدولة هي مؤسساتها، وجيشها، وشرطتها، وقضاؤها، واقتصادها، وحدودها، وأمنها القومي، ومواطنوها، وتاريخها ومستقبلها.
ولهذا فإن دعم الدولة المصرية بالنسبة لي ليس موقفًا موسميًا ولا تصفيقًا لشخص، وإنما موقف وطني واضح. قد نختلف في تقييم قرار اقتصادي، وقد نطالب بتحسين خدمة، وقد نرى أن أداء مسؤول يحتاج إلى تطوير، لكن يجب أن يظل الخلاف في إطار الإصلاح، لا أن يتحول إلى خصومة مع الدولة نفسها.
وفي المقابل، الوطنية الحقيقية ليست مجرد هتاف أو ترديد للشعارات. الوطنية أن تعرف حجم التحديات التي تواجه بلدك، وأن تقدر ما تحقق، وأن تدعم دولتك عندما تواجه أزمة أو تهديدًا، وأن تطالب في الوقت نفسه بتحسين الأداء عندما يكون هناك ما يستحق التحسين.
مصر لا تحتاج إلى مواطن يصفق لكل شيء، ولا إلى مواطن يعترض على كل شيء؛ مصر تحتاج إلى مواطن واعٍ يعرف متى يدعم، ومتى يسأل، ومتى ينتقد، ومتى يقف خلف مؤسسات دولته في مواجهة ما يهدد أمنها واستقرارها.
الدول لا تُبنى بالصراخ، وإنما بالاستقرار والعمل والإنتاج والاستثمار والوعي وقوة المؤسسات. ولذلك، عندما يتعلق الأمر بمصر وأمنها واستقرارها ومصالحها العليا، فموقفي واضح: أنا مع الدولة المصرية، مع استقرارها، مع مؤسساتها، مع جيشها وشرطتها، مع حماية حدودها وأمنها القومي، ومع كل خطوة حقيقية تستهدف تحسين حياة المواطن.
ودعم الدولة لا يعني أن نتوقف عن التفكير، بل يعني أن نفكر بعقل الدولة، وأن نضع مصلحة الوطن فوق أي خلاف سياسي أو شخصي.
مصر أكبر من أي خلاف سياسي، وأبقى من أي حكومة، وأقوى من أي أزمة.. ودعم الدولة المصرية بالنسبة لي ليس تصفيقًا لشخص، بل انحياز لوطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق