كتب/م.عماد سمير
فيه جملة بقت تتقال في بيوت كتير من غير مقدمات: «المرتب خلص.. ولسه الشهر في أوله!»
جملة بسيطة لكنها تختصر حكاية طويلة يعيشها ملايين الناس كل يوم.. حكاية مواطن بيحسبها قبل ما يشتري، ويفكر مرتين قبل ما يخرج، ويؤجل حاجة عشان يوفر حاجة أهم، ويبدأ الشهر بقائمة طويلة من الاحتياجات وينهيه بسؤال واحد: هنكمل إزاي؟
المشكلة لم تعد في شراء الكماليات أو الرفاهيات.. فالكثير من الأسر أصبحت تعيد ترتيب أولوياتها حول الأساسيات نفسها: الأكل، المواصلات، فواتير البيت، العلاج، التعليم، والإيجار.
وتشير دراسات منشورة خلال 2026 إلى ارتفاع تكلفة سلة المعيشة لأسرة حضرية مكونة من أربعة أفراد إلى ما يزيد على 32 ألف جنيه شهريًا وفق أحد التقديرات، بينما أظهر رصد آخر أن الغذاء والسكن والنقل والمرافق والاتصالات تستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق الأسري. وهذه الأرقام ليست بالضرورة متوسطًا لما تنفقه كل أسرة، لكنها تعكس حجم البنود التي أصبحت تضغط على ميزانية البيت.
لكن بعيدًا عن الأرقام والجداول.. هناك إنسان.
أب ينظر إلى أولاده ويفكر: أشتري لهم ما يحبون أم أوفر ثمنه؟
وأم تمسك ورقة المصروفات وتحاول أن تجعل الرقم الصغير يكفي قائمة كبيرة.
وشاب يؤجل الزواج لأنه يريد أولًا أن يضمن أن راتبه يستطيع أن يحمل بيتًا.
وأسرة كانت تعتبر الخروج أو الترفيه شيئًا طبيعيًا، فأصبح التفكير فيه مرتبطًا بسؤال: «هنصرف كام؟»
وهنا تظهر الحكاية الحقيقية..
المواطن لا يريد أن يعيش في رفاهية، ولا يطلب المستحيل، لكنه يريد أن يشعر أن تعبه له مقابل، وأن دخله يستطيع أن يوفر له حياة مستقرة، وأن كل زيادة في الأسعار لا تعني بالضرورة حذف شيء جديد من احتياجات أسرته.
والأخطر أن الضغط الاقتصادي لا يظهر دائمًا في شكل شكوى صريحة.. أحيانًا يظهر في تفاصيل صغيرة جدًا: قطعة لحمة أقل، مشوار اتلغى، ملابس تم تأجيلها، دواء تم شراؤه على مراحل، أو حلم تم وضعه على الرف إلى أجل غير مسمى.
ومع ذلك.. المصري لا يزال يحاول.
يعمل أكثر، ويوفر أكثر، ويبحث عن بدائل، ويحسبها بالجنيه، وأحيانًا بالقرش.
لأن المواطن المصري تعود أن يتحمل، لكن التحمل لا يعني أن الإنسان لا يشعر بالتعب.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج المواطن إلى من يقول له إن الأسعار مرتفعة.. فهو يعرف ذلك جيدًا من فاتورة البيت ومن السوق ومن جيبه.
هو فقط يريد أن يرى أثر أي تحسن في حياته اليومية.
يريد أن يأتي آخر الشهر دون أن يشعر أنه خسر معركة جديدة.
يريد أن يفتح محفظته فيجد فيها ما يكفيه، لا أن يفتحها فيجد الشهر ما زال طويلًا والمال انتهى.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم يدفع المواطن؟
السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو:
«هل يستطيع المواطن أن يعيش حياة مستقرة من دخله.. أم أن الشهر أصبح أطول من المرتب؟»
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق