السؤال يبدو ماليًا بحتًا.
لكنه في الحقيقة يمس كل شخص وكل شركة.
الفائدة ليست مجرد رقم يعلنه البنك المركزي.
هي تكلفة المال في الاقتصاد كله.
عندما تكون الفائدة مرتفعة، يصبح الاقتراض أكثر تكلفة، ويعيد المستثمر حسابات مشروعه، ويفكر المستهلك أكثر قبل الحصول على تمويل، وتصبح الودائع والأدوات ذات العائد المرتفع أكثر جذبًا للأموال.
وعندما تنخفض الفائدة، يحدث العكس تدريجيًا.
ولهذا فإن قرار البنك المركزي يوم 24 سبتمبر بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير ليس قرارًا بسيطًا. البنك قال إن السياسة النقدية ما زالت ضيقة بما يكفي لدعم استمرار انخفاض التضخم، مع الحاجة إلى هامش أمان أمام المخاطر الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، هناك صورة اقتصادية أكثر تعقيدًا.
التضخم السنوي تراجع إلى 12.7% في أغسطس مقابل 13% في يوليو، واستقرت الأسعار الشهرية تقريبًا، مع انخفاض أسعار بعض المواد الغذائية، بينما ارتفعت بنود أخرى مثل السكن والكهرباء والغاز وبعض الخدمات.
أي أن التضخم يتراجع…
لكن الأسعار لم تعد إلى ما كانت عليه.
وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم شعور الناس.
انخفاض معدل التضخم يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار تباطأت، وليس أن الأسعار نفسها عادت إلى مستوياتها القديمة.
وفي الجهة الأخرى، البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في 2026 إلى 4.6%، مشيرًا إلى ضيق الحيز المالي وارتفاع تكلفة خدمة الدين والتأثيرات الناتجة عن التوترات الإقليمية.
وهنا تظهر المعادلة الصعبة:
الدولة تريد خفض التضخم.
وتريد في الوقت نفسه دعم النمو والاستثمار.
وتريد الحفاظ على استقرار سوق الصرف.
وتحتاج إلى تمويل التزاماتها.
والمستثمر يريد فائدة أقل.
والمواطن يريد أسعارًا أقل.
والمودع يريد عائدًا يحافظ على قيمة أمواله.
لا توجد هنا عصا سحرية تحقق كل هذه الأهداف في الوقت نفسه.
لكن هناك شيء أهم من قرار واحد بشأن الفائدة:
جودة النمو نفسه.
إذا كان الاقتصاد ينمو لأن الإنتاجية ترتفع، والصادرات تتوسع، والسياحة تنمو، والاستثمار الخاص يزيد، والشركات تنتج قيمة أعلى، فإن خفض الفائدة مستقبلًا يمكن أن يتحول إلى وقود للنمو.
أما إذا كان النمو يعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض والإنفاق دون زيادة مقابلة في الإنتاجية، فإن خفض الفائدة وحده لن يحل المشكلة.
ولهذا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط:
متى تنخفض الفائدة؟
بل:
متى يصبح الاقتصاد قادرًا على النمو بتكلفة تمويل أقل دون أن يعيد إشعال التضخم؟
هذه هي النقطة الفاصلة.
لأن الهدف النهائي ليس أن تصبح الفائدة منخفضة.
الهدف أن يصبح الاقتصاد نفسه أقل احتياجًا إلى فائدة مرتفعة لحماية استقراره.
وعندما يحدث ذلك، سيكون انخفاض الفائدة نتيجة لتحسن الاقتصاد الحقيقي…
وليس مجرد قرار لمحاولة إنعاشه.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق