لا تُقاس الإصلاحات الضريبية بعدد القوانين التي تصدر، بل بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين زيادة الإيرادات، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الثقة بين الدولة والممول. ومن هذا المنطلق، جاءت حزمة الإصلاحات الضريبية الأخيرة لتعكس توجهًا نحو بناء علاقة أكثر مرونة مع مجتمع الأعمال، تقوم على التيسير بدلاً من التعقيد، والامتثال الطوعي بدلاً من النزاعات.
ومن أبرز ما يميز هذه الإصلاحات أنها لم تركز فقط على تحصيل الضرائب، بل اهتمت أيضًا بتبسيط الإجراءات، وتوسيع استخدام المنظومات الرقمية، وتقديم تسهيلات للممولين، خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يساعد على دمج الاقتصاد غير الرسمي وتوسيع القاعدة الضريبية، بدلًا من زيادة الأعباء على الملتزمين بالفعل.
لكن نجاح هذه الإصلاحات لن يتحقق بمجرد صدورها، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع العملي. فالمستثمر لا يبحث عن تشريعات جديدة فحسب، بل يريد وضوحًا في التطبيق، وسرعة في إنهاء الإجراءات، واستقرارًا في السياسات الضريبية يمكنه من التخطيط لمشروعاته على المدى الطويل دون مفاجآت.
كما أن بناء الثقة بين الإدارة الضريبية والممول يمثل حجر الأساس لأي إصلاح حقيقي. فكلما شعر المستثمر أن المنظومة تعتمد على الشفافية والعدالة وسرعة الفصل في المنازعات، زادت معدلات الامتثال، وتحولت الضريبة من عبء يثير القلق إلى التزام طبيعي داخل بيئة أعمال مستقرة.
وفي المقابل، فإن استمرار تطوير المنظومة الرقمية، وتبسيط الإجراءات، وتقديم الدعم الفني للممولين، سيجعل الالتزام الضريبي أكثر سهولة، ويقلل من الوقت والتكلفة التي تتحملها الشركات في الوفاء بالتزاماتها، وهو ما ينعكس إيجابًا على تنافسية الاقتصاد ككل.
إن الإصلاح الضريبي ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لبناء اقتصاد أكثر كفاءة وجاذبية للاستثمار. وعندما تنجح الدولة في تحقيق التوازن بين حقها في تحصيل الإيرادات، وحق المستثمر في منظومة عادلة ومستقرة، تصبح الضرائب أحد أدوات دعم النمو الاقتصادي، وليس مجرد وسيلة لزيادة الحصيلة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق