الأربعاء، 19 أغسطس 2026

عامان من الرعب.. جثمان أمٍّ مدفون داخل غرفة نومها بالزيتون

بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان – مراسل صحفي بجريدة قلب الحدث – محرر بجريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية
في واقعة صادمة هزّت منطقة الزيتون بالقاهرة، تحولت واقعة غياب سيدة عن الأنظار لنحو عامين إلى لغز جنائي، بعدما قادت التحريات وبلاغ أحد أقاربها إلى اكتشاف جثمانها داخل المسكن الذي كانت تقيم فيه مع نجلها.
واقعة لا تثير الصدمة بسبب تفاصيلها الجنائية فقط، وإنما بسبب السؤال الإنساني الأصعب: كيف يمكن أن يغيب إنسان كل هذه المدة دون أن تنكشف حقيقة مصيره؟
بلاغ اختفاء يفتح باب الحقيقة
بدأت خيوط الواقعة عندما تقدم أحد أقارب السيدة ببلاغ يفيد باختفائها وعدم رؤيتها منذ فترة طويلة، رغم أنها كانت تقيم في مسكنها برفقة نجلها.
ومع استمرار التحريات، بدأت الأجهزة الأمنية في جمع المعلومات حول ظروف اختفائها، ومراجعة التفاصيل المتعلقة بحياتها وعلاقتها بالمحيطين بها، إلى أن ظهرت مؤشرات قادت إلى الاشتباه في وجود سر داخل المسكن.
وبحسب ما أوردته التغطيات الصحفية عن التحريات وأقوال المتهم، فقد كشفت التحقيقات عن وجود خلافات سابقة بين الابن ووالدته.
مشادة تنتهي بمأساة
وفقًا لما نُشر عن أقوال المتهم والتحريات، وقعت مشادة بين الابن ووالدته قبل نحو عامين، تطورت إلى اعتداء عليها، وانتهت بوفاتها.
وتشير الرواية المتداولة في التحقيقات إلى أن المتهم، عقب وفاة والدته، أخفى جثمانها داخل غرفة النوم، ثم حاول إخفاء آثار الواقعة من خلال بناء جزء داخل الغرفة باستخدام الطوب والأسمنت.
وبهذه الطريقة ظل الجثمان مخفيًا داخل المنزل طوال تلك الفترة، إلى أن أعادت واقعة الاختفاء فتح الملف من جديد.
وهنا تحولت غرفة النوم من مكان يفترض أن يكون مساحة للراحة والأمان إلى مكان يخفي وراء جدرانه سرًا مأساويًا.
مفاجأة داخل غرفة النوم
خلال فحص المسكن، عثرت الأجهزة الأمنية على بناء غير معتاد داخل غرفة النوم، الأمر الذي أثار الشكوك ودفع إلى فحصه.
وبإزالة طبقة الأسمنت وفحص المكان، عُثر على هيكل عظمي في حالة تحلل كامل، وأفادت التغطيات الصحفية بأن الفحوص والتحريات أشارت إلى أنه يعود إلى السيدة محل بلاغ الاختفاء.
وبذلك انتقلت الواقعة من مجرد بلاغ عن غياب سيدة إلى قضية جنائية بالغة الخطورة، تنتظر ما ستسفر عنه التحقيقات والأدلة الفنية والطبية.
السؤال الأصعب.. كيف مر عامان؟
ربما يكون السؤال الأكثر إيلامًا في هذه الواقعة:
كيف عاش المتهم داخل المكان نفسه طوال هذه السنوات بينما كان جثمان والدته مخفيًا داخله؟
لكن هذا السؤال يجب أن يظل في إطار التساؤل الإنساني، دون محاولة تفسير الحالة النفسية للمتهم أو دوافعه بصورة قطعية، فذلك أمر تحدده التحقيقات والجهات المختصة والأدلة التي يتم جمعها.
والأهم من التفاصيل المثيرة هو الوقوف أمام الأسباب التي يمكن أن تدفع خلافًا أسريًا إلى نتيجة بهذه القسوة.
العنف الأسري.. إنذار لا يجوز تجاهله
الخلافات الأسرية قد تحدث داخل أي بيت، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف إلى إهانة أو تهديد أو ضرب أو اعتداء.
فالعنف ليس وسيلة لحل المشكلات، ولا يمكن اعتبار الاعتداء داخل الأسرة شأنًا خاصًا ينبغي للمجتمع تجاهله دائمًا.
وفي كثير من الحالات، قد تبدأ المشكلة بمشادة أو خلاف بسيط، ثم تتطور نتيجة الغضب وعدم السيطرة على الانفعال، لتصل إلى نتائج لا يمكن إصلاحها بعد ذلك.
ومن هنا تأتي أهمية التدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات العنف، وعدم التعامل مع الاعتداء المتكرر باعتباره مجرد «خلاف عائلي».
أين كان الجميع طوال عامين؟
الواقعة تطرح أيضًا سؤالًا اجتماعيًا شديد الأهمية:
كيف يمكن لشخص أن يختفي لمدة عامين دون أن يتم التوصل إلى مصيره؟
إن حالات الغياب الطويل تستوجب اهتمامًا جادًا، خصوصًا عندما تكون هناك ظروف غير طبيعية أو علامات تستدعي القلق.
والبلاغ الذي تقدم به أحد أقارب السيدة كان نقطة مهمة في إعادة فتح طريق البحث عن الحقيقة، وهو ما يؤكد أهمية عدم تجاهل حالات الاختفاء أو التعامل معها باعتبارها أمرًا عابرًا.
الحقيقة قبل الإثارة
ومهما كانت بشاعة الواقعة، فإن المسؤولية الصحفية تفرض عدم تحويل الجريمة إلى مادة للإثارة أو نشر تفاصيل غير مؤكدة.
فالمتهم متهم حتى الآن، ولا تثبت إدانته إلا بحكم قضائي نهائي.
كما أن ما يرد من اعترافات أو أقوال أو تفاصيل في مرحلة التحقيق يجب التعامل معه باعتباره جزءًا من التحقيقات، وليس حكمًا نهائيًا على الواقعة.
والفصل في المسؤولية الجنائية وتحديد ظروف الوفاة وملابساتها يظل من اختصاص جهات التحقيق والمحكمة المختصة.
رسالة إلى كل أسرة
هذه الواقعة تحمل رسالة تتجاوز حدود الزيتون ومكان الجريمة.
لا تنتظروا الكارثة حتى تتحركوا.
إذا تحول الخلاف داخل الأسرة إلى عنف متكرر، أو تهديد، أو اعتداء، فلا ينبغي الصمت بحجة الحفاظ على شكل الأسرة أو الخوف من تدخل الآخرين.
فالأسرة مكان للأمان، وإذا تحول البيت إلى مصدر خطر، يصبح التدخل لحماية أفراد الأسرة ضرورة وليس عيبًا.
والأبناء مطالبون باحترام آبائهم وأمهاتهم، والآباء كذلك مطالبون باحتواء أبنائهم، لكن عندما يصل الخلاف إلى العنف، يجب طلب المساعدة من الجهات المختصة وأهل الثقة والمتخصصين قبل أن يتحول الغضب إلى مأساة.
جريمة خلف الجدران.. ودرس للمجتمع
ما حدث في الزيتون ليس مجرد واقعة جنائية غريبة، بل جرس إنذار بشأن خطورة العنف داخل الأسرة، وخطورة تجاهل حالات الاختفاء الطويلة، وضرورة الانتباه إلى الأشخاص الذين قد يختفون من محيطهم دون تفسير واضح.
فوراء كل شخص غائب أسرة قد تبحث عنه، ووراء كل منزل قصة، وقد تكون الحقيقة مختبئة خلف باب مغلق أو جدار صامت.
لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تظل قادرة على الظهور.
كلمة أخيرة
عامان مرّا على غياب السيدة، قبل أن يقود البلاغ والتحريات إلى اكتشاف مصيرها.
ويبقى الأهم الآن هو انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات والأدلة الطبية والفنية، بعيدًا عن الشائعات والاستنتاجات غير الموثقة.
إن الجريمة، وفق ما أعلنته المصادر الصحفية عن الواقعة، تكشف مأساة إنسانية قاسية، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام المجتمع سؤالًا أكبر:
كم من مشكلة أسرية نستهين بها اليوم، بينما قد تكون بحاجة إلى تدخل عاجل قبل أن تتحول إلى مأساة؟
فالخلاف يمكن أن ينتهي بكلمة، والغضب يمكن أن يهدأ، والمشكلة يمكن أن تجد طريقًا للحل.
أما عندما يتحول العنف إلى جريمة، فإن الزمن لا يستطيع إعادة ما فُقد.
الجريمة قد تبدأ بلحظة غضب.. لكن آثارها قد تبقى لسنوات، وقد تترك أسرة كاملة تواجه ألمًا لا ينتهي.
المصادر الصحفية: التغطيات المنشورة عن الواقعة في عدد من وسائل الإعلام المصرية، مع التأكيد أن التفاصيل النهائية والمسؤولية الجنائية تظل خاضعة لما تسفر عنه التحقيقات والأحكام القضائية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot