الأحد، 16 أغسطس 2026

‏هل كثرة العتاب دليل على الحب أم على تراكم الاحتياجات غير المشبعة؟

‏كتبت هذا المقال  أ/هبــة رأفت 
‏أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية لحقوق الإنسان
‏كثرة العتاب ليست دائمًا دليلًا على الحب كما أنها ليست دائمًا دليلًا على انتهاء الحب ففي كثير من العلاقات يكون العتاب محاولة من أحد الطرفين للوصول إلى الآخر والتعبير عن احتياج لم يجد طريقه إلى الحوار الواضح
‏قد يبدأ العتاب بجملة بسيطة مثل أنت لم تسأل عني أو أنت لا تهتم بما أشعر به أو كنت أتمنى أن تفعل هذا من أجلي ومع تكرار الموقف وعدم حدوث تغيير يتحول العتاب من موقف عابر إلى مشاعر متراكمة
‏الشخص الذي يكرر العتاب قد لا يكون راغبًا في الشجار بقدر ما يكون راغبًا في أن يشعر بأنه مسموع ومهم ومقدر
‏وراء كثير من العتاب احتياج إلى الاهتمام واحتياج إلى التقدير واحتياج إلى الاحتواء واحتياج إلى الشعور بالأمان واحتياج إلى المشاركة واحتياج إلى أن يشعر الإنسان أن شريكه يرى ما يبذله ولا يعتبره أمرًا مسلمًا به
‏لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح العتاب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن هذه الاحتياجات
‏فالعتاب المستمر قد يجعل الطرف الآخر يشعر بأنه متهم طوال الوقت وأن كل ما يفعله غير كافٍ فيبدأ بالدفاع عن نفسه أو الانسحاب أو الصمت وقد يتحول الحوار تدريجيًا إلى دائرة مرهقة من الاتهام والدفاع ثم الصمت ثم مزيد من العتاب
‏وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا مهمًا هل أنا أعاتب لكي أصل إلى حل أم أعاتب لكي أجعل الطرف الآخر يشعر بالألم الذي أشعر به
‏هناك فرق كبير بين العتاب الصحي والعتاب المؤذي
‏العتاب الصحي يصف الشعور ويحدد الاحتياج ويفتح بابًا للحل أما العتاب المؤذي فيتحول إلى اتهامات وتعميمات واستدعاء لأخطاء الماضي ومقارنات جارحة
‏عندما نقول أنت لا تهتم بي أبدًا فإننا نضع الطرف الآخر في موقف دفاعي أما عندما نقول أشعر أنني أحتاج إلى اهتمامك ووجودك معي أكثر فإننا نعطيه فرصة لفهم ما نحتاج إليه
‏كذلك فإن تكرار نفس الشكوى دون تغيير لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر لا يحبنا فقد تكون المشكلة في طريقة التواصل أو في اختلاف احتياجات الطرفين أو في عدم وضوح ما نطلبه من بعضنا
‏بعض الأشخاص يحتاجون إلى كلمات التقدير بينما يعبر آخرون عن الحب من خلال الأفعال وبعضهم يحتاج إلى الوقت والمشاركة وبعضهم يحتاج إلى الاحتواء والاهتمام بالتفاصيل
‏ولهذا فإن فهم لغة احتياج الشريك يمكن أن يقلل كثيرًا من سوء الفهم داخل العلاقة
‏ومن أخطر أشكال العتاب استخدام الماضي كسلاح في كل خلاف فعندما ينتهي موقف معين ثم يعود في كل مشكلة جديدة يصبح الطرف الآخر وكأنه مطالب بالدفاع عن نفسه أمام سجل كامل من الأخطاء القديمة
‏العلاقة الصحية لا تعني أن نتجاهل الأخطاء ولكنها تعني أن نتعلم من الخطأ ثم نغلق صفحته عندما يتم إصلاحه
‏كذلك فإن العتاب أمام الأبناء قد يترك أثرًا أكبر من المشكلة نفسها لأن الطفل قد يبدأ في رؤية أحد الوالدين باعتباره دائم الخطأ أو قد يشعر بعدم الأمان عندما يرى العلاقة بين والديه قائمة على النقد واللوم المستمر
‏لذلك يجب أن تبقى الخلافات الزوجية في إطار يحافظ على احترام الطرفين وخصوصية العلاقة
‏وفي بعض الأحيان يكون الصمت الطويل هو نتيجة عتاب متكرر لم يجد استجابة فيشعر أحد الطرفين أن الكلام لم يعد مفيدًا فينسحب عاطفيًا
‏وهنا قد تكون المشكلة الحقيقية ليست في آخر خلاف حدث وإنما في سنوات من الاحتياجات التي لم يتم التعبير عنها أو لم يتم التعامل معها بجدية
‏الحل ليس أن نتوقف عن التعبير عن مشاعرنا وإنما أن نغير طريقة التعبير
‏بدلًا من أنت لا تفعل شيئًا من أجلي يمكن أن نقول أنا أشعر أنني أتحمل أشياء كثيرة وحدي وأحتاج إلى مشاركتك
‏وبدلًا من أنت لا تسمعني يمكن أن نقول أحتاج منك أن تسمعني دون أن تحاول الدفاع عن نفسك أو تقديم حل
‏وبدلًا من أنت تغيرت ولم تعد تحبني يمكن أن نقول أشعر أن المسافة بيننا زادت وأفتقد قربنا القديم وأريد أن نعمل معًا على استعادة التواصل بيننا
‏العلاقة الزوجية لا تحتاج إلى شخص ينتصر في كل نقاش وإنما تحتاج إلى شخصين يحاولان فهم بعضهما
‏والعتاب عندما يكون محترمًا ومحددًا قد يكون وسيلة لإصلاح العلاقة أما عندما يتحول إلى لوم مستمر وتجريح وتذكير دائم بالفشل فإنه قد يصبح سببًا في زيادة المسافة بين الطرفين
‏الحب الحقيقي لا يعني ألا نختلف ولا يعني ألا نعاتب بعضنا وإنما يعني أن نعرف كيف نختلف دون أن نهدم الأمان بيننا وكيف نعاتب دون أن نجرح وكيف نطلب احتياجاتنا دون أن نحولها إلى اتهامات
‏أحيانًا لا يكون الإنسان كثير العتاب لأنه كثير الشكوى بل لأنه ظل فترة طويلة ينتظر شيئًا بسيطًا ولم يعرف كيف يطلبه بوضوح
‏وأحيانًا لا يكون الطرف الآخر قليل الاهتمام لأنه لا يحب وإنما لأنه لا يدرك حجم الاحتياج الذي يحمله شريكه
‏لذلك قبل أن نسأل لماذا يكثر شريكي من العتاب علينا أن نسأل ما الذي يحاول أن يقوله خلف هذا العتاب
‏وقبل أن نرد بالدفاع علينا أن نحاول أن نفهم الشعور الموجود خلف الكلمات
‏فقد تكون الجملة التي تبدو شكوى مجرد محاولة أخيرة للقول أنا أحتاجك وأريد أن أشعر أنك معي
‏العلاقة التي يستطيع فيها الزوجان التعبير عن احتياجاتهما بوضوح وتقديم التقدير لبعضهما والاعتذار عند الخطأ والبحث عن حلول مشتركة تكون أكثر قدرة على تجاوز الخلافات دون تراكمات مؤلمة
‏ليس كل عتاب حبًا وليس كل عتاب شكوى فالعتاب أحيانًا يكون صوت احتياج لم يجد طريقًا آخر ليُسمع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot