الجمعة، 7 أغسطس 2026

‏الاستنفار النفسي... عندما لا يعرف عقلك معنى الراحة

‏بقلم / أ/ هبة رأفت. 
‏أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
‏مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان. 
‏قد يظن البعض أن الشعور بالتوتر المستمر جزء طبيعي من ضغوط الحياة اليومية لكن عندما يصبح العقل في حالة تأهب دائم وكأن خطرًا سيقع في أي لحظة فإننا نكون أمام حالة تُعرف بالاستنفار النفسي وهي من أكثر الحالات التي تستنزف الطاقة النفسية والجسدية دون أن يشعر بها الإنسان في بدايتها
‏الاستنفار النفسي يجعل العقل يراقب كل شيء ويفسر المواقف العادية على أنها تهديد محتمل فيظل الشخص متوترًا حتى في الأوقات التي يفترض أن يشعر فيها بالراحة ومع مرور الوقت تتحول هذه الحالة إلى أسلوب حياة فيصبح الهدوء أمرًا غريبًا ويشعر الإنسان أن الاسترخاء نوع من المخاطرة
‏قد يبدأ الاستنفار النفسي بعد التعرض لصدمات أو ضغوط متكررة أو خلافات أسرية مستمرة أو بيئة يسودها الخوف والنقد والتهديد فيتعلم العقل أن يبقى مستعدًا للدفاع عن نفسه طوال الوقت حتى بعد انتهاء السبب الحقيقي
‏ومن أبرز علامات الاستنفار النفسي الشعور بالتوتر دون سبب واضح وصعوبة الاسترخاء وكثرة التفكير وتوقع الأسوأ والانزعاج من الأصوات أو المفاجآت البسيطة وسرعة الغضب واضطراب النوم والإرهاق المستمر وضعف التركيز والشعور بعدم الأمان رغم عدم وجود خطر حقيقي
‏ولا تتوقف آثار الاستنفار النفسي عند الجانب النفسي فقط بل تمتد إلى الجسد فقد يعاني الشخص من الصداع وآلام العضلات وتسارع ضربات القلب واضطرابات الجهاز الهضمي والإجهاد المزمن لأن الجسم يظل في حالة استعداد مستمرة وكأنه يواجه تهديدًا لا ينتهي
‏كما يؤثر الاستنفار النفسي في العلاقات الأسرية فيصبح الشخص أكثر حساسية للنقد وأقل قدرة على الحوار وأكثر ميلًا لسوء فهم كلمات الآخرين وقد يبتعد عن التجمعات الاجتماعية أو يشعر بأنه لا يستطيع الوثوق بمن حوله مما يزيد شعوره بالوحدة والضغط
‏وللتعامل مع هذه الحالة يحتاج الإنسان إلى الاعتراف بما يمر به وعدم التقليل من مشاعره ثم تنظيم أوقات النوم والراحة وممارسة تمارين التنفس والاسترخاء والابتعاد عن مصادر التوتر قدر الإمكان والاهتمام بالنشاط البدني والتعبير عن المشاعر وعدم كبتها وعند استمرار الأعراض أو تأثيرها في الحياة اليومية فإن اللجوء إلى مختص نفسي يعد خطوة مهمة تساعد على استعادة التوازن النفسي
‏إن العقل لا يستطيع أن يعيش في حالة إنذار دائم دون أن يدفع ثمن ذلك من صحته ونفسيته لذلك فإن منح النفس فرصة للهدوء والاطمئنان ليس رفاهية بل هو ضرورة للحفاظ على جودة الحياة وبناء علاقات أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات بثقة واتزان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot