كتبت هذا المقال أ/هبــة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية لحقوق الإنسان
الزواج لا يعني الانفصال عن الأهل ولا يعني قطع صلة الرحم لكنه يعني أن يبدأ الزوجان في بناء مساحة خاصة بهما لها خصوصيتها وقراراتها وحدودها
من أجمل العلاقات الأسرية أن يكون الأهل مصدر دعم وأمان وليس مصدر ضغط أو سيطرة وأن يشعر الزوج والزوجة أن بإمكانهما اللجوء إلى أهلهم عند الحاجة دون أن تتحول كل تفاصيل حياتهما إلى موضوع مفتوح للنقاش والتدخل
المشكلة لا تبدأ عندما يهتم الأهل بأبنائهم فاهتمامهم أمر طبيعي ومشروع وإنما تبدأ عندما تتحول النصيحة إلى فرض رأي ويتحول السؤال إلى تحقيق ويتحول الدعم إلى اتخاذ قرارات بدلًا من الزوجين
هناك فرق كبير بين أن تقول الأم لابنتها أنا موجودة إذا احتجتِ إلى شيء وبين أن تطلب منها أن تخبرها بكل تفاصيل الخلافات مع زوجها وأن تتدخل في كل مشكلة تحدث بينهما
وهناك فرق أيضًا بين أن يحترم الزوج أهل زوجته وبين أن يسمح لهم بأن يصبحوا طرفًا دائمًا في قرارات بيته
الحياة الزوجية تحتاج إلى مساحة من الخصوصية لأن الزوجين يمران بمواقف لا يعرف تفاصيلها الحقيقية إلا من يعيشها
عندما يتم نقل كل خلاف صغير إلى الأهل قد تتحول المشكلة البسيطة إلى أزمة كبيرة لأن كل طرف من الأهل يرى الموقف من زاوية مختلفة وقد يدافع عن ابنه أو ابنته بصورة طبيعية مما يزيد حدة الخلاف بين الزوجين
وفي بعض الأحيان تنتهي المشكلة بين الزوجين بينما تظل آثارها في نفوس الأهل لأن الزوجين تصالحا لكن الأسرة ما زالت تتذكر ما حدث وتبني عليه مواقف جديدة
لهذا فإن من أهم قواعد الزواج الناجح ألا يتم تحويل الأهل إلى طرف في كل خلاف
ليس معنى ذلك أن الزوجين لا يستشيران أحدًا فهناك مواقف تحتاج بالفعل إلى رأي شخص حكيم وموثوق وقد تحتاج بعض المشكلات إلى تدخل متخصص في الإرشاد الأسري
لكن الاستشارة تختلف عن السماح للآخرين بإدارة العلاقة
الحدود الصحية تبدأ من داخل الزواج
يجب أن يتفق الزوجان على ما يمكن مشاركته مع الأهل وما يجب أن يبقى داخل البيت
ويجب أن يتفقا على طريقة التعامل مع الزيارات والاتصالات والقرارات الخاصة بالأبناء والإنفاق والسكن والعمل والمناسبات العائلية وغيرها من الأمور التي قد تصبح مصدرًا للخلاف إذا لم تكن هناك حدود واضحة
ومن المهم أن يكون وضع الحدود مسؤولية مشتركة بين الزوجين
فالزوج لا ينبغي أن يترك زوجته وحدها في مواجهة تدخل أسرته كما لا ينبغي للزوجة أن تضع زوجها في مواجهة أهلها وحده
عندما يتدخل أحد الأقارب في قرار يخص الزوجين يمكن الرد بطريقة محترمة وحازمة
نقدر اهتمامك ونحترم رأيك لكن هذا القرار يخصنا وسنتناقش فيه معًا
هذه الجملة لا تحمل إساءة ولا قطيعة لكنها توضح أن هناك مساحة خاصة يجب احترامها
ومن الأخطاء التي تزيد المشكلات أن يستخدم أحد الزوجين أهله كوسيلة للضغط على الطرف الآخر
مثل أن يقول زوجي سوف أخبر والدتي بكل شيء أو أن تقول الزوجة سأجعل أهلي يتدخلون في الأمر
هذا الأسلوب قد يحول الخلاف الزوجي إلى صراع بين عائلتين ويجعل العودة إلى الهدوء أكثر صعوبة
كما أن المقارنة بين أهل الزوج وأهل الزوجة من أكثر الأمور التي تخلق التوتر داخل الأسرة
أهلي يفعلون كذا وأهلك لا يفعلون
أمي تفهمني أكثر من والدتك
أبي ساعدنا أكثر من أهلك
هذه المقارنات لا تحل المشكلة بل تزيد الشعور بالانحياز وتفتح أبوابًا جديدة للصراع
ومن المهم أيضًا أن يدرك الأهل أن الزواج مرحلة جديدة في حياة أبنائهم وأن استقلال الابن أو الابنة لا يعني قلة الحب أو العقوق
قد يحتاج الابن إلى أن يتخذ قرارًا مختلفًا عن رأي والديه دون أن يعني ذلك أنه لا يحترمهما
وقد تحتاج الابنة إلى بناء بيت له نظامه الخاص دون أن يعني ذلك أنها تبتعد عن أسرتها
صلة الرحم لا تعني إلغاء الحدود
والحدود لا تعني القطيعة
يمكن للإنسان أن يزور أهله ويسأل عنهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويقدم لهم الدعم ويحافظ على المحبة وفي الوقت نفسه يحتفظ بخصوصية حياته الزوجية
الحدود الصحية تحمي العلاقة من سوء الفهم وتحافظ على مكانة الأهل وتمنع تراكم المشكلات
ومن المهم أن يتعلم الزوجان أن بعض التفاصيل لا تحتاج إلى أن تخرج من باب المنزل
الخلافات الخاصة
الأسرار الشخصية
المشكلات المالية
التفاصيل الحميمة
الخلافات المتعلقة بالأبناء
القرارات المصيرية
كل هذه الأمور تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة قبل مشاركتها مع الآخرين
وعندما تكون المشكلة أكبر من قدرة الزوجين على التعامل معها فمن الأفضل اختيار شخص حكيم ومحايد أو اللجوء إلى مختص في الإرشاد الأسري بدلًا من فتح الموضوع أمام عدد كبير من الأقارب
الأسرة الناجحة ليست الأسرة التي تعيش بعيدًا عن أهلها وإنما الأسرة التي تعرف كيف تحافظ على محبتهم دون أن تسمح لأحد بأن يلغي خصوصيتها
الحب لا يحتاج إلى سيطرة
والاحترام لا يعني الطاعة العمياء
وبر الوالدين لا يعني أن يتخلى الإنسان عن حقه في بناء حياة مستقلة
والزواج الناجح يحتاج إلى اتفاق واضح بين الزوجين على أن يكونا أولًا فريقًا واحدًا في مواجهة المشكلات
فكلما كان التواصل بين الزوجين قويًا قلت حاجتهما إلى نقل تفاصيل حياتهما للآخرين
وكلما شعر كل طرف بالأمان مع شريكه أصبح من الأسهل عليه أن يضع حدودًا محترمة مع الآخرين
إن أجمل توازن يمكن أن تصل إليه الأسرة هو أن يكون للأهل مكانتهم ومحبتهم وأن يكون للزوجين بيتهم وخصوصيتهم وأن يعرف الجميع أن احترام الحدود لا يبعد القلوب بل يحافظ عليها ويمنع الكثير من الخلافات قبل أن تبدأ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق