الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

عندما يتحول الشيخ من داعية إلى «شخص لا يُخطئ».. خطر تقديس الأشخاص على المسلمين

بقلم استاذ/محمد جلال
في الإسلام، لا يوجد إنسان بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ. العلماء لهم قدرهم، والمشايخ لهم احترامهم، والصالحون لهم مكانتهم، لكن كل ذلك لا يعني أن يتحول الشيخ إلى شخص فوق النقد، أو أن تصبح كلمته حُجّة لمجرد أنه شيخ أو صاحب مريدين وأتباع.

المشكلة تبدأ عندما يتحول بعض الأشخاص من مجرد دعاة إلى رموز يتم تعظيمها بشكل مبالغ فيه؛ فيصبح الشيخ هو محور الدين عند أتباعه، ويُقبل كلامه دون سؤال، ويُرفض كلام غيره لمجرد أنه يخالفه، بل قد يصل الأمر أحيانًا إلى تصوير الشيخ وكأنه صاحب منزلة استثنائية لا يجوز لأحد أن يناقشه فيها.

والنبي ﷺ نفسه حذّر من الغلو في الأشخاص، فقال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد...»؛ فحتى مقام النبوة، وهو أعظم مقام للبشر، لم يكن سببًا في السماح بالغلو الذي يرفع الإنسان فوق منزلته.

الشيخ يُحترم.. لكن لا يُقدَّس

من حق العالم أن يُحترم، ومن حق الشيخ أن يُوقّر، ومن حق الإنسان أن يتعلم من أهل العلم.

لكن ليس من حق أحد أن يجعل الشيخ ميزان الحق والباطل.

فالحق لا يصبح حقًا لأن فلانًا قاله، والباطل لا يصبح حقًا لأن شخصًا مشهورًا رفضه.

والدين لا يُقاس بالأشخاص، وإنما الأشخاص هم الذين يُقاسون بالكتاب والسنة والعلم الصحيح.

ومن أخطر صور الغلو أن يعتاد بعض الأتباع على ترديد عبارات من نوع:

«الشيخ ده لا يُخطئ».

«إحنا مش من حقنا نسأل الشيخ».

«الشيخ عارف حاجات محدش يعرفها».

«اللي يعترض على الشيخ يبقى بيعترض على الدين».

وهنا تتحول العلاقة من علاقة طالب علم بشيخه إلى نوع من التبعية العمياء.

المشكلة ليست في التصوف كاسم

ومن الإنصاف أن نقول إن انتقاد الغلو في بعض المنتسبين إلى التصوف لا يعني اتهام كل الصوفية.

فدار الإفتاء المصرية نفسها تشير إلى أن التصوف في أصله لا ينفصل عن الكتاب والسنة، وأن أئمة التصوف أنفسهم أكدوا ضرورة اتباع القرآن والسنة.

إذن المشكلة ليست في أن شخصًا قال: «أنا صوفي» أو أنه يكثر من الذكر أو يحب الصالحين.

المشكلة عندما يتحول حب الصالحين إلى غلو فيهم، واحترام الشيخ إلى تقديس له، والاقتداء به إلى تعطيل العقل أمام كلامه.

أخطر شيء.. صناعة «شيخ فوق السؤال»

عندما يعتاد الناس على أن الشيخ لا يُناقش، تظهر مشكلة أكبر:

قد يستغل شخص مكانته الدينية في السيطرة على أتباعه، أو في الحصول على المال والنفوذ، أو في صناعة هالة حول نفسه.

وقد يبدأ الأمر بكلام بسيط عن الصلاح والكرامات، ثم يتحول مع الوقت إلى اعتقاد أن الشيخ يمتلك أسرارًا خاصة، أو أنه يعرف الغيب، أو أنه يستطيع أن ينفع ويضر بذاته.

وهنا يجب أن يتوقف المسلم ويسأل:

هل هذا الكلام له دليل شرعي؟

هل هذا الاعتقاد يتفق مع التوحيد؟

هل الشيخ نفسه يرفض أن يُغالى فيه، أم أنه يستمتع بهذه الهالة ويشجع أتباعه عليها؟

فالشيخ الحقيقي لا يحتاج أن يصنع حول نفسه أسطورة.

الخطر الأكبر على المسلم

الخطر الحقيقي ليس فقط في شخص الشيخ، وإنما في عقلية التبعية.

لأن الإنسان الذي يتعود أن يأخذ دينه من شخص واحد دون دليل قد يصبح من السهل توجيهه في أي اتجاه.

اليوم يقول له الشيخ: افعل.

غدًا يقول له: لا تفعل.

وبعد غدٍ قد يقول له: فلان عدو لنا فلا تستمع إليه.

وبمرور الوقت يصبح الأتباع تابعين للأشخاص أكثر من كونهم تابعين للحق.

وهذا يفتح الباب للفرقة والتعصب والخصومة بين المسلمين.

لا تجعل الشيخ وسيطًا بينك وبين الله

المسلم يحتاج إلى العلماء ليفهم دينه، لكنه لا يحتاج إلى إنسان يحتكر علاقته بالله.

الله سبحانه وتعالى أقرب إلى عبده من كل أحد، والدعاء والعبادة والتوكل والخوف والرجاء عبادات لله وحده.

أما العلماء والدعاة فوظيفتهم أن يدلوا الناس على الله، لا أن يجعلوا الناس متعلقين بشخصياتهم.

والإنسان الصالح الحقيقي غالبًا ما يكون أكثر الناس خوفًا من أن يُفتن الناس به أو يغلو فيه.

كلمة أخيرة

احترم الشيخ، نعم.

استمع للعالم، نعم.

تعلم من الصالحين، نعم.

لكن لا تجعل أحدًا فوق السؤال، ولا تجعل كلام إنسان مساويًا للوحي، ولا تجعل حبك لشيخ سببًا في كراهية المسلمين الآخرين.

الإسلام لا يحتاج إلى صناعة «أشخاص مقدسين».

الإسلام يحتاج إلى علم، وتقوى، وبصيرة، واتباع للحق.

والشيخ الذي يدعوك إلى الله هو الذي يستحق الاحترام، أما الشيخ الذي يجعل الناس يدورون حول شخصه هو، ويغضب من السؤال، ويطلب طاعة عمياء، فهنا يجب أن تتوقف وتراجع نفسك.

لأن أعظم خطر على الدين ليس أن تحترم العالم… وإنما أن تجعل العالم دينًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot