✍️ بقلم:
أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
الخلاف بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة أمر طبيعي، فلا توجد علاقة تخلو من اختلاف وجهات النظر أو تباين الطباع. لكن ما يحدد نجاح العلاقة ليس غياب الخلاف، وإنما الطريقة التي يتم بها التعامل معه. فالكثير من المشكلات الكبيرة بدأت بخلاف بسيط، ثم تضخمت بسبب سوء الحوار، أو العناد، أو تراكم المشاعر السلبية حتى أصبحت أزمة يصعب تجاوزها.
من أكثر الأخطاء شيوعًا محاولة حل المشكلة في لحظة الغضب، ففي هذه الحالة يكون الإنسان أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على التفكير المنطقي، وقد تخرج منه كلمات جارحة تترك أثرًا نفسيًا طويلًا. لذلك فإن منح النفس وقتًا للهدوء قبل بدء الحوار يساعد على الوصول إلى حلول أفضل ويمنع تصاعد الموقف.
كما أن الإنصات الجيد للطرف الآخر يعد من أهم مفاتيح إنهاء الخلاف. فالاستماع لا يعني انتظار دورك في الكلام، بل يعني محاولة فهم ما يشعر به الطرف المقابل وما يريد التعبير عنه. عندما يشعر الإنسان بأنه مسموع ومفهوم تقل رغبته في الدفاع عن نفسه ويصبح أكثر استعدادًا للتفاهم.
ومن المهم أيضًا أن يكون الحديث عن المشكلة نفسها وليس عن شخصية الطرف الآخر. فبدلًا من استخدام عبارات مثل "أنت دائمًا مخطئ" أو "أنت لا تفهم شيئًا" يمكن التعبير عن المشاعر بقول "شعرت بالحزن عندما حدث هذا الموقف". هذا الأسلوب يقلل من التوتر ويجعل الحوار أكثر هدوءًا واحترامًا.
ويؤكد علم النفس أن استحضار أخطاء الماضي في كل خلاف يمنع الوصول إلى أي حل، لأن الحوار يتحول من مناقشة موقف واحد إلى قائمة طويلة من الاتهامات. لذلك من الأفضل التركيز على المشكلة الحالية والبحث عن طريقة تمنع تكرارها مستقبلًا.
كما ينبغي تجنب تدخل الآخرين في كل خلاف، لأن كثرة الأطراف قد تزيد المشكلة تعقيدًا وتضعف الثقة بين الزوجين أو أفراد الأسرة. وإذا احتاج الأمر إلى مساعدة فمن الأفضل اللجوء إلى شخص حكيم ومحايد أو إلى مختص في الإرشاد الأسري.
ولا ينبغي أن يكون الهدف من الحوار هو الانتصار على الطرف الآخر، بل الوصول إلى حل يحافظ على العلاقة ويحقق الاحترام المتبادل. فالعلاقات الناجحة لا تقوم على فكرة من الفائز ومن الخاسر، وإنما تقوم على التعاون لتجاوز المشكلات معًا.
ومن المهم ألا نهمل أثر الكلمات الطيبة بعد انتهاء الخلاف، فالاعتذار الصادق، والشكر، والتقدير، والاهتمام، والابتسامة، كلها وسائل تعيد الدفء إلى العلاقة وتمنع تراكم المشاعر السلبية. كما أن تخصيص وقت للحوار الهادئ بشكل مستمر يساعد على حل المشكلات الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة.
وعندما تتكرر الخلافات بنفس الصورة دون الوصول إلى حلول أو بدأت تؤثر في الاستقرار النفسي للأسرة أو الأبناء، فإن طلب المساعدة من مختص ليس دليلًا على فشل العلاقة، بل دليل على الوعي والرغبة في الحفاظ عليها. فالتدخل المبكر يمنع تفاقم المشكلات ويساعد أفراد الأسرة على تعلم مهارات تواصل أكثر صحة.
إن كل خلاف يمكن أن يكون فرصة لفهم أعمق وتقارب أكبر إذا أُدير بالحكمة والاحترام. فالكلمة الهادئة، والإنصات الصادق، والبحث عن الحل بدلًا من تبادل الاتهامات، هي مفاتيح تحافظ على المودة وتمنع الخلافات من أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق