الاثنين، 27 يوليو 2026

‏التعلق المرضي... عندما يتحول الحب إلى خوف من الفقد

‏✍️ بقلم:أ/ هبة رأفت
‏أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
‏الحب من أجمل المشاعر الإنسانية عندما يكون قائمًا على الثقة والاحترام والحرية، لكنه قد يتحول إلى مصدر للألم عندما يصبح تعلقًا مرضيًا يجعل الإنسان يشعر بأنه لا يستطيع العيش أو اتخاذ قرار أو الشعور بالسعادة إلا بوجود شخص معين في حياته. وهنا لا يكون الأمر حبًا صحيًا، بل ارتباطًا مبالغًا فيه قد يفقد الإنسان توازنه النفسي ويؤثر في جميع جوانب حياته.
‏التعلق المرضي هو حالة يعتمد فيها الشخص عاطفيًا على طرف آخر بصورة كبيرة، فيربط قيمته الذاتية وسعادته وراحته النفسية بوجود هذا الشخص واهتمامه به. ومع مرور الوقت يصبح الخوف من فقدانه أو ابتعاده هاجسًا دائمًا، فيعيش في قلق مستمر ويبالغ في مراقبة تصرفاته والبحث عن أي علامة قد تشير إلى تغير مشاعره.
‏وغالبًا ما تبدأ جذور هذا التعلق منذ الطفولة، فقد ينشأ الإنسان في بيئة تفتقر إلى الأمان العاطفي أو يعيش تجارب من الإهمال أو الرفض أو فقدان أحد الوالدين أو التعرض لصدمات نفسية، فيكبر وهو يبحث عن شخص يعوض هذا النقص ويمنحه الشعور بالأمان الذي افتقده.
‏ومن أبرز علامات التعلق المرضي الخوف الشديد من الانفصال، والغيرة المبالغ فيها، والحاجة المستمرة إلى الاطمئنان، وعدم القدرة على الاستمتاع بالحياة بعيدًا عن الطرف الآخر، والتنازل المستمر عن الحقوق خوفًا من خسارة العلاقة، والشعور بالفراغ والضياع عند غياب الشخص المرتبط به، وإهمال الأصدقاء والهوايات والأهداف الشخصية.
‏ولا يقتصر أثر التعلق المرضي على صاحبه فقط، بل يمتد إلى العلاقة نفسها، إذ يشعر الطرف الآخر بضغط كبير نتيجة المطالبة المستمرة بالاهتمام والتأكيد، وقد تتحول العلاقة إلى علاقة مرهقة مليئة بالخوف والشك بدلًا من أن تكون مصدرًا للراحة والاستقرار.
‏ويؤكد علم النفس أن الحب الصحي لا يعني التملك ولا السيطرة ولا الذوبان في الآخر، بل يعني وجود شخصين مستقلين يدعمان بعضهما ويشعر كل منهما بالأمان دون أن يفقد هويته أو ثقته بنفسه.
‏وللتخلص من التعلق المرضي يحتاج الإنسان إلى إعادة بناء ثقته بنفسه، والاهتمام بأهدافه وحياته الخاصة، وتوسيع دائرة علاقاته الاجتماعية، وممارسة الأنشطة التي تمنحه شعورًا بالإنجاز، والتوقف عن ربط قيمته بقبول الآخرين له، كما أن اللجوء إلى مختص نفسي يساعد على فهم أسباب هذا التعلق وتعلم طرق صحية لبناء العلاقات.
‏إن العلاقة السليمة لا تقوم على الخوف من الفقد، بل على الثقة والاحترام والاختيار الحر. فكلما أحب الإنسان نفسه بطريقة متوازنة، أصبح أكثر قدرة على أن يحب الآخرين دون تعلق مؤذٍ أو خوف دائم، وأصبح وجودهم في حياته مصدرًا للسعادة لا شرطًا لبقائه متوازنًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot