الاثنين، 27 يوليو 2026

من الخارخ يصرخون٠٠٠٠٠ ومن الداخل ندفع الزمن


بقلم/ امل صالح سليم


في كل مرة تواجه فيها مصر تحديا سياسيا أو اقتصاديا تتكرر الظاهرة نفسها هاشتاجات تتصدر ومقاطع فيديو تنتشر كالنار في الهشيم ورسائل متطابقة في التوقيت والمضمون حتى يبدو المشهد وكأنه حملة واحدة تدار من غرف مختلفة لكنها تتحدث بصوت واحد.
النقد حق لا يمكن لأحد مصادرته بل هو أحد أدوات تصحيح المسار لكن عندما يتحول النقد إلى موجة منظمة لا تقدم حلا ولا تفتح بابا للنقاش وإنما تكتفي ببث الإحباط والتشكيك يصبح من حق الناس أن تتساءل من يقف وراء هذه الحملات؟ وما الهدف الحقيقي منها؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن عددا من أبرز الوجوه التي تقود هذا الخطاب لا يعيشون داخل مصر أصلا يظهرون في بثوث مباشرة من مدن أوروبية أو عربية يجلسون داخل أماكن فاخرة أو يقودون سيارات حديثة ويتحدثون لساعات عن معاناة المواطن المصري بينما هم بعيدون عن تفاصيل حياته اليومية.
وهنا يفرض المنطق نفسه إذا كان هؤلاء يعيشون حياة مستقرة خارج البلاد فمن أين يستمدون صورة الواقع؟ وهل يسعون إلى تقديم حلول أم إلى صناعة حالة من الغضب المستمر؟
لا يمكن إنكار أن المواطن المصري يواجه ضغوطا اقتصادية حقيقية وأن ارتفاع الأسعار أرهق ملايين الأسر. لكن من الإنصاف أيضا الاعتراف بأن العالم كله عاش وما زال يعيش موجات تضخم وأزمات اقتصادية وحروبا أثرت على الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد. فالأزمة ليست مصرية فقط وإن اختلفت آثارها من دولة إلى أخرى.
الفرق الحقيقي يكمن بين من ينتقد لأنه يريد إصلاحا ومن ينتقد لأنه يريد هدم الثقة. الأول يقدم رؤية وحلولا أما الثاني فلا يرى سوى السواد ويصور كل أزمة على أنها نهاية الدولة متجاهلا أن الحفاظ على الاستقرار في منطقة تموج بالصراعات ليس أمرا بسيطا.
يكفي أن ننظر حولنا لندرك قيمة الأمن دول كانت قبل سنوات تنعم بالاستقرار تحولت إلى ساحات نزاعات وتشرد ملايين من أبنائها بين اللجوء والنزوح وفقدان الوطن لذلك فإن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للفوضى أو إلى معركة تدفع فاتورتها من جيب المواطن البسيط.
ومن حق أي مواطن أن يسأل أيضا إذا كان من يقود هذه الحملات يعيش في رفاهية خارج البلاد فما الذي يخسره إذا اشتعلت الأوضاع في الداخل؟ ومن الذي سيدفع الثمن الحقيقي؟ هل هو صاحب البث المباشر الذي يغلق هاتفه ويواصل حياته أم العامل والموظف وصاحب المشروع الصغير الذي يعيش داخل مصر؟
الوطن لا يحتاج إلى ترديد الشعارات بقدر ما يحتاج إلى وعي فالكلمة قد تبني وقد تهدم والهاشتاج قد يعبر عن رأي وقد يتحول إلى أداة لتأجيج الانقسام إذا استخدم بعيدا عن المسؤولية.
في النهاية يبقى السؤال الأهم عندما نشاهد حملة إلكترونية تتصدر المشهد هل نحكم عليها بعدد المشاهدات أم نحكم عليها بالعقل؟ وهل ما يقال يفتح بابا للحلول أم يكتفي بإشعال الغضب؟
فالدول لا تبنى بالصوت الأعلى وإنما بالعقل الذي يميز بين النقد المسؤول وبين الخطاب الذي يحول كل أزمة إلى معركة وكل اختلاف إلى صدامي وكل هاشتاج إلى ساحة استقطاب.
ويبقى الوطن أكبر من أي ترند... وأبقى من أي هاشتاج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot