الأربعاء، 1 يوليو 2026

في حياة الأمم، لا يوجد استثمار يحقق عائدًا يفوق الاستثمار في بناء المؤسسات.

فالأشخاص مهما بلغت كفاءتهم يرحلون، أما المؤسسات القوية فتبقى، وتحافظ على الخبرات، وتنقل المعرفة من جيل إلى آخر.

ولهذا فإن الدول التي حققت نهضات حقيقية لم تعتمد على أفراد استثنائيين فقط، بل بنت مؤسسات قادرة على العمل بالكفاءة نفسها مهما تغيرت القيادات.

المشكلة أن بعض المجتمعات تربط النجاح بأسماء الأشخاص، لا بقوة النظام.

فإذا غاب الشخص تراجع الأداء، وإذا تغيرت الإدارة بدأت المؤسسة من الصفر، وكأن الخبرات السابقة لم تكن موجودة.

أما المؤسسة الناجحة، فهي التي تجعل النجاح قابلًا للاستمرار، لأنها تعتمد على لوائح واضحة، وإجراءات دقيقة، وتوزيع للمسؤوليات، وتوثيق للخبرات، لا على الاجتهادات الفردية وحدها.

ولهذا فإن بناء المؤسسات يحتاج إلى صبر أكثر مما يحتاج إلى قرارات سريعة.

فهو يبدأ باختيار الكفاءات، ثم تدريبها، ثم بناء ثقافة عمل تقوم على الانضباط والمحاسبة والتطوير المستمر.

وقد تبدو هذه الخطوات بطيئة، لكنها تضمن أن يستمر الأداء بنفس الجودة حتى مع تغير الأشخاص.

وينطبق ذلك على القطاعين العام والخاص.

فالشركة التي تبني نظامًا قويًا تستطيع التوسع بسهولة، والجهة الحكومية التي تمتلك مؤسسات فعالة تقدم خدمات مستقرة للمواطنين مهما تغيرت الظروف.

فإن قوة الدول لا تُقاس بعدد المشروعات التي تنفذها فقط، بل بقدرتها على إنشاء مؤسسات تحافظ على هذه المشروعات، وتطورها، وتضمن استمراريتها لعقود.

لأن الأشخاص يصنعون الإنجازات، أما المؤسسات فتصنع الاستمرارية.

وهذا هو الفارق بين نجاح يلمع لفترة قصيرة، ونجاح يبقى أثره لأجيال.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot