الأربعاء، 1 يوليو 2026

الحاسدون بيننا... عندما يتحول نجاح الآخرين إلى عذاب فى قلوب البعض

بقلم المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الإنسان
كان مكان العمل يضم أكثر من خمسين موظفًا، كل مجموعة منهم تؤدى مهمة مختلفة، وكل فرد يسعى إلى كسب رزقه بالحلال، ويبذل من جهده ما يستطيع ليؤدى عمله بإتقان.
وسط هذا العدد الكبير، لفت انتباه الجميع ثلاثة أشخاص لم يكن همهم تطوير أنفسهم أو إتقان أعمالهم، وإنما كانت أعينهم معلقة بما فى أيدى الآخرين.
كان أحدهم لا يطيق أن يرى زميلًا يوفقه الله فى رزق أو نجاح، فيتمنى فى نفسه زوال النعمة عنه، وكأن سعادته لا تكتمل إلا إذا خسر غيره.
أما الثانى، فكان لا يتوقف عن الحديث عن الآخرين، يعدد أعمالهم، ويراقب ما يحصلون عليه من رزق، فإذا جاءه رزق من الله تكبر عليه، وإذا جاء الخير لغيره امتلأ قلبه باللوم والاعتراض والحقد.
أما الثالث، فقد جعل من نفسه رقيبًا على حياة الناس، يتدخل فى خصوصياتهم، ويتتبع أخبارهم، ويقارن نفسه بهم فى كل صغيرة وكبيرة، حتى تحول الحسد إلى مرض يسرق راحته قبل أن يؤذى غيره.
وهنا نتوقف...
إن الحسد ليس مجرد شعور عابر، بل هو نار تشتعل أولًا فى قلب صاحبها، فتأكل راحته، وتفسد أخلاقه، وتجعله يعيش فى هم دائم، لأنه يقيس حياته بما عند الآخرين، لا بما أنعم الله عليه.
لقد علمنا الإسلام أن الرزق بيد الله وحده، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس لأحد أن يعترض على قسمة الله أو يتمنى زوال نعمته عن غيره.
قال الله تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
"إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب."
إن المؤمن الحق إذا رأى نعمة عند أخيه دعا له بالبركة، واجتهد أن يطور نفسه بالحلال، ولم يجعل حياته قائمة على مراقبة الناس والتدخل فى شؤونهم.
كيف نتعامل مع الحاسد والحاقد؟
ليس المطلوب أن ندخل فى خصومات أو نبادل الإساءة بالإساءة، بل علينا أن:
نُكثر من ذكر الله، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء.
نقرأ سورة الفلق وسورة الناس وآية الكرسى باستمرار.
لا نُظهر كل تفاصيل حياتنا ونجاحاتنا أمام الجميع، فليس كل من يبتسم لك يتمنى لك الخير.
نختار الصحبة الصالحة التى تفرح لنجاحنا كما نفرح لنجاحها.
نرد الإساءة بالحكمة، ونتجنب الجدال مع أصحاب القلوب المريضة.
نوقن أن ما قسمه الله لنا لن يأخذه أحد، وما لم يكتبه الله لنا فلن يناله أحد مهما فعل.
رسالة إلى أصحاب القلوب المريضة
إن الحياة قصيرة، والرزق مكتوب، ولن يزيدك الحسد مالًا، ولن ينقص من رزق غيرك شيئًا.
بدلًا من أن تنظر إلى ما فى أيدى الناس، انظر إلى نعم الله عليك، واشكره عليها، واسعَ فى عملك بإخلاص، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
واعلم أن أعظم انتصار للإنسان ليس أن يرى غيره يسقط، وإنما أن ينهض هو بنفسه، ويطهر قلبه من الحقد والكراهية، ويعيش راضيًا بقضاء الله وقدره.
فلنزرع المحبة بدل الكراهية، والدعاء بدل الحسد، والتعاون بدل التربص، فبصلاح القلوب تصلح المجتمعات، وتزدهر بيئات العمل، ويعم الخير بين الناس.
حفظ الله قلوبنا من الحسد، وأعيننا من النظر إلى ما فى أيدى الناس، وجعلنا من الشاكرين الراضين بقضائه، إنه نعم المولى ونعم النصير.
حقوق النشر محفوظة بقلم المستشار كرم أيمن سعد غفرى :::

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot